|
والتطبيقية،
ولما كان الجميع يلهجون بالثناء للعرب
في الجزيرة، وينهلون مما أنتجه العقل
العربي المسلم في المشرق والمغرب فقد
أحس ملك صقلية فردريك الثاني في أوئل
القرن الثالث عشر بالحقد يغلي في صدره
بسبب هؤلاء الذين أزاحهم من الجزيرة
ولكنهم ما زالوا موجودين في كل مكان. في
المدارس والجامعات والمستشفيات وحتى
الأسواق حيث يتعامل جميع التجار
بالأرقام العربية ولم يعرفوا أرقاماً
وحساباً غير الحساب العربي.
لم
يصدق فردريد الثاني أن العرب أصحاب
حضارة وعلوم، بل كان يعتقد أن هذه
العلوم التي وجدها شائعة ومعروفة في
جزيرة صقلية هي من بقايا حضارة الإغريق
والرومان، ولم يكن دور العرب غير دور
الناقل والمترجم. وقرر لكي يثبت
لحاشيته من القادة والمسؤولين صدق ما
يدّعي أن يمتحن العلماء العرب ببعض
المسائل في الطب والفلسفة والهندسة
فأرسل أسئلته تلك طالباً إعادتها إليه
مشفوعة بالأجوبة.
وبالفعل
وصلت أسئلة الملك فردريك، فأحيلت حسب
فروعها إلى أصحاب الاختصاص من علماء
الشام فأنجزوا حلّ أسئلة الطب
والفلسفة ولم يستطيعوا حل أسئلة
الهندسة فأرسلوها إلى المفضّل بن عمر
الأبهري من علماء الموصل فلم يستطع هو
الآخر حلها فأرسلها إلى أستاذه الشيخ
كمال الدين أبي الفتح بن يونس فعكف
عليها حتى وجد الحل، وحين أعيدت
الأسئلة بأجوبتها إلى الملك فريدريك
الثاني كان في البلاط يحيط به عدد من
حاشيته، فقام بفتح لفافة الورق
الواردة من الشرق وقد تهيأ لإطلاق
قهقهة ساخرة من هؤلاء الذين ما زالوا
يعتقدون أن للعرب علوماً وحضارة تفوق
ما وصل إليه الغرب من تقدم.
ظل
الملك فردريك واجماً وهو ينظر إلى
الأوراق التي انكشفت أمامه، إجابات
وحلول قاطعة مختصرة لا يرقى إليها
الشك، مكتوبة باللغة العربية
واللاتينية.
هل
من المعقول أن يحدث ذلك؟ أسئلة اختارها
هو وعلماؤه من أعقد المسائل التي لم
يجد لها أحد حلاً، هكذا يحلها العلماء
العرب المسلمون بسهولة؟!!.

لم
ينم الملك فردريك تلك الليلة فقد أحس
إحساساً صادقاً لأول مرّة في حياته
بأنهم 0أي النورماند- الغزاة
والمحتلون، وأنهم قد هدموا في دخولهم
صقلية بناءً حضارياً رائعاً كان
الذكاء العربي الإسلامي قد أقامه
وحافظ عليه.
ومن
تلك الليلة – صار فردريك من أكبر أنصار
الحضارة العربية الإسلامية في
الجزيرة، وراح يبدي إعجابه بما تركه
العرب المسلمون هناك.
|