|
دراسته:
رفض شهيدنا المجاهد الالتحاق بأيّ
مدرسة من المدارس الثانوية، بل أبى إلا
أن يدرس في معهد الأزهر الديني كي
يتعلّم العلوم الشرعية والقرآن الكريم
والسنة النبوية، وكأنك وأنت تنظر إليه
وهو يلبس الجلابية السوداء والعمامة
البيضاء الملتفة حول طربوشه الأحمر
ترى في وجهه العزيمة والإصرار على نصرة
دينه ووطنه، حتى تخرّج –رحمه الله–
متعلّماً لدينه ومحباً لكتابه وعازماً
على العمل من أجل أمته ووطنه.
جهاده
الأول: التحق شهيدنا المجاهد في
صفوف حركة المقاومة الإسلامية حماس في
بداية الانتفاضة الأولى عام 1987، وكان
مجاهداً نشيطاً يُعجب به كلّ من عمل
معه لحماسه وحركته على العمل الإسلامي
وخفة حركته وسرعة بديهته، حتى تسلّم
قيادة جهاز الأحداث في المسجد الغربي
بالمخيم، وأشرف على نشاطات الحركة
الميدانية لفترة طويلة، فشهدت تلك
الفترة تميّزاً نوعياً على صعيد عمل
جهاز الأحداث.
بر
الوالدين: عمل شهيدنا مع والده في
دكانه القديمة ورفض أن يشتغل في غيرها
بالرغم من أنه يحمل الشهادة الأزهرية،
والتي تؤهّله لأكثر من وظيفة في مجال
الدعوة والإرشاد، إلا أنه أصرّ على أن
يقف إلى جانب والده في دكانه الصغير
التي أصبحت بعد ذلك محلات طبيرة يعرفها
كلّ من يعرف مخيم الشاطئ فكان بحقّ
دينامو تلك المحلات.
ويذكر
بعض المقرّبين من الشهيد أنه بعد مرض
والده كان يجعل من نفسه متكئاً له
يأخذه إلى المسجد، ويُجلسه على الكرسي
ثم يعيده إلى المنزل، وتولّى هو حمل
الأعباء والمتاعب عن والده، وعند
الغروب يأخذ والده في سيارته لينزّهه
ثم يعود به إلى البيت.
مع
إخوانه: أما إخوانه وأصحابه
فجميعهم يذكرون له طيبة المعاملة وحسن
العشيرة، ويذكرون ابتسامته التي لا
تفارق شفتيه، يذكرون له طرائفه
ولطائفه التي لا تغادر مجلسه، جميعهم
لا يزالون يحتفظون برسائله الندية
التي كان يرسلها لهم عبر الجوّال إذا
ما غابوا عنه لحظة. كتب لأخ له يوماً
رسالة عبر الجوال: "أنا في المستشفى
، أُجري عملية زراعة لقلبٍِ جديد، لأن
قلباً واحداً لا يكفي لحّبك".
صاحب
الصدقات:
نعم
هكذا كان عبد الرحمن، يحب الآخرين ولا
يتردّد في مساعدتهم وتفريج كروبهم،
حتى ولو لم يعرفهم، يقول أحد إخوانه
أنه قد طلب منه صديقه مبلغاً من المال
وكان غير متوفّرٍ معه فأخبره أنه سيذهب
إلى أخٍ آخر ليحضر ذلك المبلغ، وذهب
فوراً إلى الشهيد عبد الرحمن وذكر له
القصة، ولكن عبد الرحمن لم يدعه يكمل
كلامه حتى أعطاه المال دون أن يسأله
لمن.
وتأخر
يوماً عن أخٍ له طلب منه مبلغاً من
المال، فوعده أن يحضره له عند صلاة
المغرب، وجاء المغرب ولم يأتِ عبد
الرحمن، يقول صاحبه: "فرجعت إلى
المنزل، وفي العاشرة ليلاًَ والفصل
شتاءً إذا بالباب يُطرق وإذا به عبد
الرحمن قد جاء بالمبلغ الذي طلبته،
وقال لي: (أرجوك أن تسامحني لأنني نسيت
وكنت أقضي بعض الأمور خارج المخيّم.
وعندما عدت للمنزل تذكّرتك فلم أستطع
أن أتأخر عنك حتى الصباح)".. يقول
صاحبه: فاندهشت ونظرت إلى المال فإذا
هو أكثر مما طلبت. ويذكر مؤذّن المسجد
أنه كان يأتي بالتمر في كلّ رمضان
ليفطر عليه الصائمون في المسجد، كما
أنه كان يأتي بالطعام للمعتكفين في
العشر الأواخر.
عائلته:
تزوّج الشهيد -رحمه الله- عام 1995 ورزق
بطفله الأول محمد (7 سنوات)، ثم يوسف (5
سنوات) وأخيراً نور (سنتان).
موعد
مع الشهادة:
لم
يكن يعلم شهيدنا عبد الرحمن أنه على
موعد مع الجنة ومع الحور العين، أو
لربما كان يعلم فإن الشهيد يرى مقعده
في الجنة. خرج -رحمه الله- ملبياً نداء
ربه "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة
ومن رباط الخيل"، و قوله صلى الله
عليه وسلم: "من لم يغزُ ولم تحدّثه
نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق"،
فانطلق يجهّز نفسه للجهاد ويعدّ نفسه
للقاء الله ومحاربة أعدائه يتعلّم
الرماية في سبيله، فكانت الأقدار أسرع
مما كان يتصوّر، فلربما أعدّ لنفسه
شهادة في سبيل الله ينصر الله فيها
الإسلام و المسلمين، ولكن الله اختار
له طريقاً أقصر ووصولاً أسرع للجنة
بإذن الله . فارتدت عليه رصاصة واستقرت
في قلبه حتى أقسم أحد رفاقه أنه نطق
بالشهادة و قال "لا إله إلا الله"
لتكون بذلك آخر كلمة في الأعوام الخمسة
والثلاثين التي قضاها -رحمه الله- في
عمل الخير وحب إخوانه وبرّ والديه .
فسلام
عليك يا عبد الرحمن وأنت تسدّد بندقيتك
واقفاً وجاثياً ومرتكزاًَ، وسلام عليك
إذ تغدو للمسجد وتروح، وسلام عليك وأنت
تحبّ المساكين وسلام عليك وأنت تفيض
حرقة على الإسلام والمسلمين، وسلام
على من حمّلك السلاح، وسلام على من
علّمك الرماية في سبيل الله، سلام عليك
وألف سلام وعلى جميع إخوانك الشهداء.
|