|
أصبحت إسراء تحبُّ
وتدرك أن الجهاد عمل كبير ويشمل ميادين
متعدّدة… فقتال الأعداء جهاد، طلب
العلم جهاد،
الصمود
في الوطن جهاد، خدمة المجاهدين جهاد،
نشر الفضيلة والتمسّك بالأخلاق
الرفيعة جهاد، والمسارعة في الخيرات
كلّها جهاد.

كانت
الحافلة تسير وإسراء تفكّر في هذه
الآية الكريمة التي أخذتها في المدرسة
والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم
سبلنا وإن الله لمع المحسنين ..
تتساءل يا ترى كيف يكون الجهاد هنا؟! أي
نوع هوالمطلوب؟! قرّرت أن تسأل عمّها…
ولكن توقّفت في تفكيرها وهزذت يد
جدّتها… كانت جدتها توشك أن تنام…
سهرت ليلة أمس وهي قلقة على ابنها عز
الدين… أخذ منها التعب كلّ مأخذ…
ولكنَّ إسراء وأسئلتها الكثيرة لا
تدعها تنام…
-
يا جدّتي… أكملي لي قصة حسن سلامة…
كيف حارب اليهود في منطقة يافا بعد أن
استلم قيادتها …
-
حاضر يا بنتي… نصلّي على رسول الله في
بداية الكلام… "قام أبوعلي في
البداية بتقسيم يافا إلى عدة مناطق…
ووزّع المناضلين على هذه المناطق… كان
السلاح قليلاً حيث إن الكثير من الثوار
كانوا بدون سلاح.. فمثلاً إحدى المناطق
كان فيها أكثر من مائة مجاهد مع 60
بندقية لم يكن يصلح منها للقتال سوى 19
…
سألت
إسراء:
-
ولماذا لم يدبّروا سلاحاً كافياً؟!
-
التقصير يا بنتي كان كبيراً خاصّة من
الأغنياء… كذلك فإن الاستعمار
البريطاني كان يوفِّر لليهود السلاح
وكان يسهّل عليهم استيرادها من الخارج
لأنه وعدهم بإقامة وطن لهم في فلسطين
بما يُسمى وعد "بلفور" الشهير…
المهم بدأ القتال وانتشرت الاشتباكات
وأعمال النّسف والقنص… قام اليهود بعد
شهرٍ من قرار التقسيم بشنّ هجوم عنيف
على يافا… تصدّى لهم رجال القنّاصة
الثوار… لم يستطع اليهود التقدّم داخل
يافا إلا أن مجموعة من اليهود تسللّت
إلى داخل يافا فنسفوا إحدى البنايات
الكبيرة – السَّرايا – واستشهد من
الثوار عشرة شهداء… وصل إلى اليهود
أسلحة حديثة جداً من مختلف دول العالم
خاصة من تشوكوسلوفاكيا الشيوعية…
احتلوا بعض القرى المحيطة، ارتكبوا
عدة مجازر ونشروا إشاعتهم بين الناس…
قالوا إنّ اليهود يريدون ذبح العرب...
وصلت أخبار مجزرة دير ياسين… كانت
أضخم مجزرة يرتكبها اليهود… قتلوا
عشرات النساء والشيوخ والأطفال…
دخلوا إلى البلد فأحرقوا البيوت
بقنابل حارقة… خرج الناس من بيوتهم
ليجدوا الرشَّاشات تطلق النار على
صدورهم… وكانت مجازر أيضاً في قرى
أخرى… أذكر
منها ملجأ "العباسيَّة" من قرى
يافا، قتلوا كلّ من فيه… أطفال ونساء
وشيوخ كانوا عزّلاً من دون سلاح… كان
حسن سلامة في هذه الأيام يدير المعارك
ويجند كتائب الثوار من مقره السِّري
في العباسية… وكان يتنقل بين القرى
يحرّك الثوار ويقوّي عزائمهم... أذكر أن
اليهود شنّوا هجوماً كاسحاً على
العباسيّة وذلك بهدف عزل يافا عن قراها
المجاورة… استحكم الثّوار في خنادقهم…

يطلقون النار من بنادقهم القديمة
فيردّ اليهود على الطلقة بعشرات
الطلقات من رشاشاتهم الحديثة…
استمرت
الاشتباكات العنيفة حتى نفدت الذخيرة
من الثوار… رفعوا الفؤوس والسيوف…
استشهد منهم أعداد كبيرة… دخل اليهود
البلد… ألقوا قنابلهم داخل البيوت
صعدت مجنَّدة لعينة على مئذنة المسجد
وأخذت تطلق النار على النّاس… قتلت
كلّ من ظهر لها في الشوارع المحيطة
بالمسجد… وصل خبر هذه اللعينة إلى حسن
سلامة حيث كان مع الثوار في الخنادق
الأمامية… أرسل لها أحد معاونيه الذي
كان قد عاهد الله أن لا يخرج من خندقه
إلا شهيداً أومنتصراً… لبَّى نداء
الواجب وتوجّه إلى المسجد حيث
القنّاصة اللعينة ما زالت على حالها…
تقتل من هنا وهناك… صوّب المجاهد
القنّاص بندقيته على رأسها… سمّى الله
وأطلق رصاصة فجرّت دماغها… فتدلّت جثة
هامدة كذئبةٍ نزلت عليها شرّ قتلة… لم
يستطع المجاهدون البقاء بعد نفاد
الذخيرة… أصبح الناس من دون حماية…
أصدر سلامة والقيادة للناس أوامرهم
بالانسحاب حتى تأتي الإمدادات العربية…
ويتوفّر السلاح فيحرِّروها من أيدي
اليهود الجبناء بسهولة…
قالت
إسراء:
-
ولغاية اليوم لم تصل الإمدادات
العربية؟!
-
كانت مؤامرة كبيرة يا بنتي… بعد أن
قطعوا يافا عن قراها لم يبقَ أمامهم
إلا دخول يافا… لا أستطيع الآن الحديث
عن يافا الحبيبة… دعيها للمرة القادمة
إن شاء الله …

-
حسناً… ها قد اقتربنا من العمّ الغالي…
أرجوك يا جدّتي اتركيه لي هذه المرة…
فقط هذه المرة…
-
أسئلتك كثيرة… ألا تشبعين؟!! …
الطمع في الدين…
-
أنت كريمة وأنا أستحق
كرمكِ يا جدتي العزيزة…
|