|
غاية الإكرام، ولكنه اعتذر عن
تلبية طلبهم، بأن يحالفوهم ضدّ
الخزرج، ثم وضح سبب هذا الرفض، قائلاً:
-إن
لقريش قوافل تجارية كبيرة ولا يتعرض
لها أحد، لأنها لا تعادي أحداً، ولها
هيبة واحترام بين القبائل، وهذا
التحالف سيجرّ عليها خصومات هم في غنى
عنها.
وهناك
أيضاً ما يشغل قريشاً ويقضّ مضجعها،
وهو ظهور رجل يدّعي النبوة، ويستنكر
علينا دين آبائنا وأجدادنا، ونحن به
مشغولون.
خرج
الوفد محزونين مكسوري الخاطر، وقد
عادوا بخفيّ حنين.
سمع
رسول الله صلى الله عليه وسلم بما جرى
لوفد بني عبد الأشهل، فذهب إليهم،
وطيّب خاطرهم، ثم قال لهم:
-هل
لكم في خير مما جئتم له؟
فقال
رئيسهم:
-وما
ذاك؟
فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم:
{أنا
رسول الله، بعثني الله إلى العباد،
أدعوهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا
به شيئاً، وأنزل عليَّ الكتاب}.
دُهش
أبو الحيسر بما سمع من رسول الله، ولم
يُحرْ جواباً.
فسأل
أحد الفتية:
-وما
هذا الدين الذي جئت به؟
فبيّن
لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم
الإسلام وماذا يعني، وأنه يدعو إلى
عبادة الله الواحد، وإلى مكارم
الأخلاق، ونبذ الرذائل، وأنهم إن
اتبعوه فسيجمع الله عليه قلوب أهل يثرب
جميعاً، أوسهم وخزرجهم، ويريحهم من
هذه الحروب التي دمرتهم وكادت تقضي
عليهم.
أعجب
الفتية بكلام رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، فقال أصغرهم إياس بن معاذ:
-اتلُ
علينا بعض ما أُنزل عليك.
فتلا
رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض آيات
من القرآن الكريم.
ازداد
إعجاب الوفد برسول الله صلى الله عليه
وسلم ، ولكنهم نظروا إلى رئيسهم أبي
الحيسر ليروا ما سيقوله للنبي، وإذا
بإياس يتكلم ويحسم الأمر بسرعة وذكاء
مع أنه أصغرهم سناً قال لهم:
-يا
قوم، هذا والله خير مما جئتم به.
فغضب
أبو الحيسر غضباً شديداً، ورمى وجه
الغلام الصغير إياس بحفنة من التراب،
وهو يقول:
-دعنا
منك، فأنت صغير لا تفقه شيئاً، فلعمري
لقد جئنا لغير هذا.
شعر
إياس بحرج شديد، وقام من مجلسه وهو
يجرّ أذيال الخيبة والمرارة لأن قومه
سيضيّعون فرصة ذهبية تريحهم من عناء
الحرب، إذا آمنوا برسول الله صلى الله
عليه وسلم ، لأنه أدرك أن خلاصهم سيكون
على يدي هذا النبي الكريم. ونظر إلى وجه
رسول الله صلى الله عليه وسلم نظرة حب
وامتنان، فجاءه صوت أبي الحيسر من بعيد
وهو يقول:
-ما
أشغلنا عن هذا الأمر الذي سمعتموه، ما
قدم وفد على قوم بشرّ مما قدمنا به على
قومنا. إنا خرجنا نطلب حلف قريش، فنؤوب
بعداوتها وعداوة الخزرج.
إن
هذا للرجل الذي أخبرنا عنه عتبة بن
ربيعة.
ثم
نظر أبو الحيسر إلى النبي صلى الله
عليه وسلم ، وقال له:
-أيها
الرجل.. لا حاجة لنا بما تدعوننا إليه.
ما
إن سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم
هذا الكلام حتى قام حزيناً لإعراض
الوفد عن دعوة الحق.
***
عاد
الوفد إلى يثرب خائبين، ولكن إياساً
عاد وقد آمن بدعوة محمد، فربح ربحاً
كبيراً، لم يفطن إلى هذا الربح كبار
بني عبد الأشهل.
وعادت
الحروب من جديد بين الأوس والخزرج،
وأكلت الأخضر واليابس، وأفنت شبابهم،
ويتّمت أطفالهم، وكانت الحرب سجالاً،
فكان الطرفان خاسرين، في كل الأحوال.
حزن
إياس حزناً شديداً لما أصاب قومه من
ويلات الحروب، ولأنهم رفضوا دعوة
الحق، فمرض مرضاً لا شفاء منه، ولما
شعر بدنو أجله، أخذ يردد بصوت ضعيف
نديّ:
-لا
إله إلا الله والله أكبر، الحمد لله
وسبحان الله، لا إله إلا الله والله
أكبر.
عجب
أهله وقومه من حوله من كلامه هذا،
فأخذوا يسألونه:
-ماذا
تقول يا إياس؟
ولكن
إياساً أعرض عنهم، وبقي يردد هذه
الكلمات المضيئة، حتى فاضت روحه إلى
بارئها.
|