|
قالت
الجدّة:
-
أول ما نبدأ بالصلاة على الحبيب… كنت
في مثل عمرك تماماً… أرى وأسمع ما يحدث
ليافا… كان بيتنا مقراً لاجتماعات
رجالات يافا الكبار… تأتيهم الأخبار
فيتدارسونها ويخرجون بالقرارات
المناسبة… أحياناً كانوا يختلفون
فيما بينهم أسمع صراخهم ونقاشاتهم
الحادة… أصدقك القول يا بنتي كان بعض
هؤلاء القادة أوّل الهاربين من يافا…
فمثلاً تفاجأ أبي عندما علم بأن أبا
هاجم كان قد هرّب أهله وأولاده من يافا…
(أبو هاجم) هذا الرجل كان جباناً وقد
يكون جاسوساً… فيما بعد اكتشف أمره…
كان يأتي بالشائعات وأخبار المجازر
وسقوط القرى وبثّها بين الناس… وللأسف
صدّقها الناس بسرعة… انهارت
معنوياتهم وأخذوا يفرّون بريشهم قبل
فوات الأوان… لو أنهم اعتصموا بالله
وثبتوا في وجه اليهود ووقفوا وقفة رجلٍ
واحد لما سقطت يافا… ولكن يا للخسارة ..
عددٌ قليل من الثوار وقفوا في وجه
المدّ اليهودي… أما باقي سكان المدينة
والذي كان حينها سبعين ألفاً فقد
تدفّقوا هرباَ من الموت …
سألت
إسراء:
-
كلّ الناس فرّوا من يافا؟؟!! ألم يبقَ
منهم أحد؟!
-
بقي ثلاثة آلاف… رفضوا الخروج… كان
الموت أحبّ إليهم من الخروج من ديارهم
وبلدتهم الحبيبة …
-
ماذا جرى لهم؟!
-
لا شيء إنهم لغاية الآن في يافا،
صامدون في بيوتهم، ما زالوا مرابطين في
ديارهم رغم أنف اليهود …
-
ولكن لماذا هرب أغلب الناس؟!
-
يا بنتي هناك عدة أسباب… انقسام
القيادة وخلافاتهم الشديدة… ضعف
الروح الإيمانية عند الناس… الخوف،
الحرص على الحياة، تصوّري أنَّ منّا من
كان أحرص من اليهود على الحياة…
القرآن قال عن اليهود إنهم أكثر الناس
حرصاً على الحياة، وفي زماننا هذا أصبح
منّا من هوأشد حرصاً من اليهود… وهذا
يجعل الناس يهربون من
المعركة …
قالت
إسراء:
-
أخذنا في حصة الدين أن الفرار من
المعركة من الكبائر !!
أجابت
جدّتها:
-
يا خسارة يا بنتي كان الدين غائباً في
تلك الأيام… ولا أقصد أن الناس كانوا
بلا دين… لا، وإنما كان دينهم قليلاً،
لم يثبتوا عليه في المحن والشدائد،
فرّوا بسرعة… وهناك إشاعات أيضاً لعبت
دوراً كبيراً وهي أن الجيوش العربية في
طريقها إلى فلسطين وبالتالي إنها
ستعيد المهاجرين منها على جناح السرعة…
قالت
إسراء:
-
وحسن سلامة كيف كان في معركة يافا؟!
-
قاتل مع المجاهدين ببسالة… ردّوا
الهجوم الأول عن المدينة واستطاعوا أن
يوقِعوا خسائر جسيمة في صفوف الأعداء…
كان هدف حسن سلامة هومشاغلة اليهود إلى
حين وصول الجيوش العربية، في يوم 28
نيسان شنّ اليهود هجومهم الكبير…
هجوماً قوياً ومركّزاً وواسعاً…
وبأسلحة حديثة ودعم من الجيش
الإنجليزي… لم يستطع الثوار الصُّمود
طويلاً. أمام هذا الهجوم تراجعوا وبما
فيهم حسن سلامة إلى خطّ دفاعٍ ثانٍ في
بعض القرى المحيطة… كان حسن سلامة
واثقاً من وعود العرب مما جعله يتراجع…
ولكنه شعر بالندم عندما تأخّرت الجيوش
العربية …
هنا
نزلت دموع جدة إسراء وهي تقول:
-
تركنا دارنا الجميلة… كانت أشجار
البرتقال المحيطة بالبيت تلبس أجمل
ثيابها… الثوب الأخضر الملوّن
بأزهاره البيضاء…
كان أريجه يملأ صدورنا ويناشدنا
البقاء… دفنت أمي صيغتها الذهبية مع
معالق فاخرة تحت شجرة برتقال على أمل
العودة القريبة… ودفن أبي أموال
تجارته التي كان يشغّلها في بقالته…
يا خسارة يا بنتي… ضيَّعنا أرضنا
وديارنا وأموالنا… لم يبقَ معنا إلاّ
الحسرة والندامة… إني اليوم أفضّل
الموت مائة مرة على الخروج من يافا
الحبيبة… خمسون عاماً مضت على النكبة
وما زالت هجرتنا من يافا تحرِق قلبي
وتثير فيّ أحزاناً لا يعلمها إلا الله
…
قالت
إسراء بحرارة:
-
إذا عدنا إلى ديننا سوف تعود بإذن الله
…
-
هذا وعد الله… وثقتنا بالله قوية…
الآن استعدى لعمّك… ماذا أعددت له من
أسئلة؟ …
-
ولكن أين ذهب أبوعلي حسن سلامة؟!
-
ذهب عند ربه… بقيَ يدافع بكلّ ما أوتيَ
من قوة مع مجموعات الثوار والمجاهدين
حتى استشهد كبقيّة الصادقين الأطهار
الذين سقطوا على ثرى فلسطين …
-
هنيئاً له… أخيراً نال الشهادة… حيٌ
يرزق عند ربه …
توقفت
الحافلة على بوابة السجن السوداء… هذا
السجن الذي لا يتزحزح عن مكانه وسط
منطقة صناعية
تحيطه بمصانعها العملاقة من كلّ جانب…
تنفث سمومها في صدور الأسرى القابعين
خلف قضبانه اللعينة…
|