|
وذات
صباح، سعت زينب إلى بيت أبيها وأبو
العاص على سفر، فالتقت أمها خديجة لدى
الباب وكانت عائدة من دار ابن عمها "ورقة
بن نوفل" ولكن الأم لم تحس بوجود
ابنتها، واتجهت نحو مخدع زوجها حيث
لبثت فترة غير قصيرة ثم خرجت إلى
بناتها وقد عاودها هدوءوها.
أصغت
"زينب" إلى أمها وهي تحدثهم
حديثاً عجيباً عن نزول الوحي على
أبيها، وهو يتعبد في غار حراء، فأخذت
بما سمعت ولم تُحر جواباً لأنها كانت
خائفة على أبيها لما سمعته من خالها
ورقة:
"ليكذبن
أبي وليؤذين، وليخرجن وليقاتلن".
إلا
أن فاطمة هدأت من روعها وقالت لأختها:
-
والله لا أقول إلا كما قالت أمي لأبي:
"الله
يرعانا يا أبا القاسم، أبشر يا ابن
العم واثبت، والله لا يخزيك الله أبداً".
عاد
"أبو العاص" من رحلته وملأت سمعه
شائعات عن ظهور محمد بن عبد الله بدين
جديد، وعندما تحدثت إليه زوجته "زينب"
بالنبأ اليقين ووجهها يفيض بشراً
وفخراً وسعادة، نظر إليها في صمت، ولم
يتفوّه ببنت شفة، فتابعت "زينب"
تقول:
-
أنا أسلمت يا ابن الخالة، وكذلك أسلمت
أمي وأخواتي، وأسلم علي وأبو بكر،
وأسلم من قومك ابن عمك عثمان بن عفان،
وابن خالك الزبير بن العوام.
فلم
يبدُ عليه أنه أصغى إلى ما تقول بل
سألها وفي صوته رنة حزن وخوف:
-
هل فكرت يا زينب حين تبعت دين أبيك،
فيما قد يحدث لو أني بقيت على دين
آبائي؟
هزت
زينب رأسها وهي تقول:
-
كلا يا ابن الخالة..
فانثنى
مولياً وخرج إلى دار النبوة، وعاد أبو
العاص في النصف الأخير من الليل، وقال
بصوت يلفه الحزن والألم:
-
لقد لقيت أباك اليوم في الكعبة، وعرض
عليّ الإسلام..
نظرت
زينب إلى زوجها بلهفة وقالت:
-
وماذا كان جوابك أيها الزوج الحبيب؟
صمت
أبو العاص ولم يجب..
وذات
ليلة قال أبو العاص لزوجته زينب وقد
راعه وآلمه ما تكابد من الحزن:
-
والله ما أبوك عندي بمتَّهم، وليس أحب
إليّ من أن أسلم معك يا حبيبة القلب في
شعب واحد، لكني أكره أن يقال: إن أبا
العاص خذل قومه، وكفر بآبائه إرضاء
لامرأته، فهلا قدرت وعذرت؟
سقطت
دمعتان حارتان على وجنتي "زينب"
ولم تجب، وإن خايلها الأمل في أن تنجلي
الغمة عن قريب، إلا أن الغمة لم تنجل
سريعاً، بل طال الأمد وجاوزت المدى إلى
أن كانت المقاطعة الرهيبة في شعب أبي
طالب التي دامت ثلاث سنين، حيث توفي عم
والدها أبو طالب بعد ستة أشهر من تمزيق
صحيفة المقاطعة، وبعده بثلاثة أيام
توفيت والدتها "خديجة بنت خويلد"
أم المؤمنين، ومع أن زينب لم تكن فيمن
خرج إلى الشعب، لكن أنباء من فيه كانت
تأتيها إلى دار زوجها، فترتاع لما
يكابده أهلها هناك، وعندما علمت بوفاة
أمها بكتها بكاءً شديداً..
بعدها
قامت الحرب بين رسول الله صلى الله
عليه وسلم وبين قريش، وكانت معركة بدر
التي خاض غمارها رسول الله صلى الله
عليه وسلم وزوجها المشرك، فلم تنم
ليلتها وهي تفكر في أبيها وزوجها الذي
بقي على دين آبائه، وصراع نفسي مرير
يغتال راحتها، وقلق مدمر يهزّ كيانها،
وهي تلمح اليتم أو الترمل سوف يلفّ
كيانها، ويسود حياتها.
وفيما
هي منطوية على نفسها تجترّ مخاوفها،
جاءت عمة أبيها "عاتكة بنت عبد
المطلب" فابتدرتْ زينبَ قائلة:
-
أو ما بلغك النبأ العجيب!
فنظرت
إليها زينبُ ولم تجب، واستطردت العمة:
-
انتصر محمد صلى الله عليه وسلم في قلة
من أصحابه على قريش في كثرتها وعدتها.
فانتفضت
زينب هاتفة بفرح:
-
انتصر أبي؟؟ الحمد لله.. يا ربي لك
الحمد والشكر.
ولكنها
تذكرت زوجها فصمتت، لكن العمة عجّلت
إليها بالبشرى بأن أبا العاص لم يقتل
بل وقع في الأسر.
بعثت
زينب في افتداء زوجها وكان يحمل الفدية
ابنُ حميها عمرو بن الربيع، وقدم عمرو
الفدية وكانت قلادة ما إن رآها رسول
الله صلى الله عليه وسلم حتى تذكر
الماضي.. فقد كانت هذه القلادة هي التي
أهدتها إياها أمها خديجة يوم زفافها..
فاستعبر رسول الرحمة، وأطلق لابنته
أسيرها، وردّ عليها قلادتها.
عاد
أبو العاص إلى بيته وما إن رأته زينب
حتى وثب قلبها إليه، إلا أنه كان
مكتئباً حزيناً فقال لها:
-
جئتك مودعاً يا زينب.. فإن والدك طلب
مني أن أردك إليه، لأن الإسلام فرّق
بيني وبينك..
وكان
الفراق المرير القاسي.
ومع
قدوم الذكرى السابعة لهجرة النبي عليه
الصلاة والسلام كان "أبو العاص"
قد أتى من تلقاء نفسه مسلماً، واجتمع
الشمل الممزق وتلاقى الزوجان الحبيبان
بعد فراق طويل.
ومضى
عام واحد، ثم كان الفراق الذي لا لقاء
بعده في هذه الدنيا، فقد ماتت زينب في
السنة الثامنة للهجرة متأثرة بعلتها
التي لزمتها حين طرحت جنينها على أديم
الصحراء وهي خارجة من مكة.
وصلى
عليها أبوها المصطفى عليه أفضل الصلاة
والسلام في مسجده، ثم شيعها إلى مرقدها
الأخير حيث أودعوها ثرى طيبة.
ثم
لحق أبو العاص بن الربيع بزينب أيام
أبي بكر الصديق في شهر ذي الحجة من
السنة الثانية عشرة للهجرة.
|