|
الأوائل
في تاريخ الحركة الإسلامية في فلسطين،
وكذلك أقاربه من آل عقل، مما دفع
شهيدنا (محمداً) أن يخلع رداء الطفولة
وهو في الثامنة من عمره، ليفعل أفعال
الرجال. فعاش طفولته يتنقل بين المسجد
والبيت، وكان يساعد والده في نقل
الرسائل والمعلومات إلى المقاومة،
وبعد اعتقال والده (أبو عماد) أخذ
شهيدنا محمد (أبو السهل) يشارك أخاه
الأكبر (عماداً) في سد الفراغ الذي تركه
الوالد خلفه، فكان إلى جانب دراسته
يعمل في مطعم والده.
وهكذا
تشرّب شهيدنا حب الوطن والجهاد
والرجولة، وتحمّل المسؤولية منذ نعومة
أظافره.
تميز
شهيدنا بفراسته وقوة إيمانه، كان يقوم
الليل ويقرأ القرآن، ويصل رحمه،
بالإضافة إلى كونه أستاذاً في فن
المعاملة والتسامح مع جميع الناس،
بابتسامته الدائمة المشرقة، فأحبّه
جميع من عرفه.
بعد
أن قوي عود (أبي السهل) واشتد، انضم إلى
صفوف المقاومة، وأخذ يوزع النشرات
والملصقات، وينظم التظاهرات
والمسيرات.
وبالرغم
من اشتداد المحن، وتزاحم الخطوب،
وتكالب الأعداء للنيل من حركة
المقاومة الإسلامية وأجهزتها
العاملة، وبنيتها التحتية، إلا أن
سفينة الحق والقوة والحرية ماضية، ففي
عام 1996م انقضّت براثن السلطة تنهش في
جسد الحركة الإسلامية، وتلاحق
أبناءها، وتغلق مؤسساتها، وتعتقل خيرة
شبابها، وتصبّ عليهم ألواناً من
العذاب تحت إشراف أمريكي صهيوني،
فاعتقلت السلطة شهيدنا (أبا السهل) على
الرغم من صغر سنه، ولكنه لم يلبث أن عاد
إلى إخوانه أقوى وأصلب عوداً، فما
أضعفته سياط الغادرين، ولا سجونهم
وجلادوهم.
وفي
مطلع عام 1998 أُوكل لشهيدنا رصد تحركات
العدو، والتخطيط لتنفيذ بعض الأهداف
العسكرية، وإعداد العبوات الناسفة،
والمواد المتفجرة، وكان هذا قُبيل
الانتفاضة بأشهر، ولما اشتعل فتيل
الانتفاضة المباركة، شارك شهيدنا وثلة
من إخوانه الأبطال في تنفيذ العديد من
العمليات البطولية، والهجمات، وتفجير
العبوات في دوريات المحتلين.
صدق
الله، فصدقه الله
في ليلة الخميس 25/9/2003م
ليلة استشهاد أبي السهل، وقف ولده
البكر سهل ذو السنوات الأربع من عمره،
وأشار إلى السماء وقال مخاطباً أباه:
-
انظر يا أبي إلى هذه العروس الجميلة..
إنها تناديك..
نظر
الأب إلى السماء وقال مخاطباً ولده:
-
أين هي يا
بُني.. أنا لا أراها؟!..
فأشار
الصغير ثانية إلى السماء وقال:
-
هناك يا أبي.. إنها تناديك!!
وتكرر
المشهد أكثر من مرة، وكانت هذه هي
البشارة الأولى له بالشهادة، ولم تمض
لحظات حتى اتصل إخوانه المجاهدون به
لتجهيز نفسه، فالأعداء الصهاينة
يتوغلون في شارع صلاح الدين، وبسرعة
البرق كان (أبو السهل) مع إخوانه حاملاً
سلاحه، ممسكاً بقذائفه، متوجهاً إلى
ميدان المعركة، وكان من الصعب جداً أن
يصل أحد إلى هناك، لكثرة الجنود، ولكن
أمثال أبي السهل لا يعرفون التراجع،
فتسلل شهيدنا ليقطع الطريق إلى الجانب
الآخر، ثم عاد إلى الجانب الأول ليواصل
زحفه مقبلاً بصدره نحو آلياتهم، وعلى
كتفه القاذف المحشو بالقذائف، حتى وصل
إلى المكان الذي أراد، وما إن تجهز
واستعد حتى عاجلته رصاصات الحقد
الصهيونية، فأُصيب ومازال يتقدم، حتى
نطق بالشهادة.
وهكذا
استجاب الله لأمنياته، فقد تمنى أن
يستشهد وقد اُستشهد.
وتمنى
أن يصاب في صدره جهة اليمين فكان له حيث
أشار..
وتمنى
أن يلقى الله مقبلاً غير مدبر، وتحقق
له ذلك، وتمنى أن يُدفن بجانب قبر
حبيبه ورفيق دربه يوسف عقل، ودُفن حيث
أراد.
لقد
صدق الله فصدقه الله.
عرس
الشهادة
بعد
استشهاد محمد وتحويل جثمانه الطاهر
إلى المستشفى، وفي زحمة غرفة
الاستقبال فوجئ الناس بعصفور صغير
يحلّق ويهبط على السرير الذي عليه
جثمان الشهيد أبي السهل، وعندما نقلوا
الجثمان إلى الثلاجة دخل معه العصفور،
وما إن أغلق الطبيب الباب حتى رفرف
العصفور عند المروحة، فضربته المروحة
ليقع شهيداً فوق صدر الشهيد أبي السهل.
وخرجت
الجماهير الغفيرة تودع فارسها الصنديد
البطل، الذي كان يذود عن حياض الدين
والوطن، في جنازة قلّ مثيلها بين
إخوانه المجاهدين.
رحم
الله شهيدنا أبا السهل وأسكنه الفردوس
الأعلى، فقد كان من الذين قال الله
فيهم:
من
المؤمنين رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله
عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من
ينتظر وما بدلوا تبديلاً .
صدق الله العظيم.
|