|
وذات
يوم ، دخلت المزرعة دجاجة حمراء كانت
تبحث عن مأوى ، ولما تعبت من البحث رقدت
على الأرض قرب البيت . وبعد قليل سمعت
الباب يفتح ، ليطل منه وجه العجوز
الطيب . فوجئت العجوز بوجود الدجاجة ،
لكنها حملتها بحب ، وقررت وضعها مع
الدجاجات لتأكل معهن .
فرحت
الدجاجات بالضيفة الجديدة ، ورغم أنها
بدت مختلفة بينهن بلونها الأحمر إلا
أنهن أبدين لطفا شديدا معها ، مما
جعلها تشعر بالغرور وهي تنظر إليهن وهن
يجهّزن لها فراشا من القش ويجلبن لها
الحب . وبحركة سريعة صعدت إلى أحد
الرفوف ، وصفّقت بجناحيها ليصمتن ، ثم
قالت بغرور : ( اسمي برّوقة
، في الواقع أننا معشر الدجاج الأحمر
ننتمي لأرقى سلالات الدجاج على
الإطلاق ، فكل أمراء الدجاج في العالم
كانوا من سلالتنا . )
نظرت
الدجاجات إلى ريشها الأبيض بدهشة ، ثم
التفتن إلى برّوقة غير مصدّقات . وما هي
إلا لحظات حتى كان الوجوم يغطي وجوههن
بضيق شديد . ولم تكتف برّوقة بما قالته
، بل قفزت وهي تصيح : (
ستكونون في خدمتي جميعا ، ومن الآن
وصاعدا أنا التي سأوزّع عليكم الحب . )
نظرت
الدجاجات إلى الديك مستنجدة ، فإذا به
يقترب من برّوقة وهو يرفع جناحيه
مرحّبا بها : ( هذا صحيح !
هذا صحيح ! فقد كان جدي يوصيني بالزواج
من دجاجة حمراء ! )
وهكذا
.. صارت برّوقة أميرة الدجاج الأبيض ! في
الحقيقة يا صغاري كانت برّوقة دجاجة
ظالمة تأكل من الحب حتى تشبع ، ثم تترك
الباقي للدجاجات الجائعات اللواتي لم
يكن باستطاعتهن الاعتراض على ما تفعل ؛
لأن الديك يعمل دائما على حمايتها ،
أملا بالزواج منها .
وفي
إحدى المرات ، وبينما تسبح بطة صغيرة
مع شقيقاتها في حوض الماء أطلت برّوقة
برأسها المرتفع تعاليا وهي تقول : (
أخرجن من الماء ، هيا أخرجن . أنا أميرة
الدجاج آمركن بالخروج من الماء . )
نظرت إليها البطة الصغيرة بسخرية : (
لست سوى دجاجة . ) فقالت الدجاجة
بغضب : ( أنا الأميرة أيتها
الحمقاء ! ) فانقض الديك على البطة
يحاول ضربها ، لكن البطة قالت وهي
تحاول الهرب : ( إنها تخدعك
بغرورها أيها الديك ! ها نحن أمامك بط
وإوز ، منا الأسود والأبيض ! هكذا أراد
الله لنا أن نكون ، ولا أحد يظن أن لونه
يجعله أفضل من الآخر . إن كانت برّوقة
سنصبح أميرتكم عليها أن تحكمكم بعقلها
وقلبها لا بلونها ، وعليها أن تعطيكم
أكثر مما تأخذ منكم ، أن تحبكم ،
وتعلمكم كيف تهتمّون ببعضكم البعض . إن
كانت برّوقة كذلك فهي أميرتكم
. )
اقتربت
منه حين أحست أنه يستمع إليها ، ثم
أكملت : ( برّوقة تأخذ
طعامكم رغما عنكم ، وتجعلكم جميعا خدما
لها ، إنها لا تستحق أن تكون أميرة لكم !
عليها أن تصبح كأية دجاجة ، أو ترحل
عنكم . )
كلمات
البطة تركت أثرا كبيرا في نفس الديك ،
فالتفت إلى برّوقة
بحيرة ، فإذا بها تدفعه بجناحها
وهي تصرخ في وجهه باحتقار : (
ابتعد أيها الأحمق ! )
فكّر
الديك طويلا وهو ينظر إليها : (
صحيح أن لها ريش أحمر ولكنها تأكل مثل
بقية الدجاجات ، وتبيض مثلهن ، وتثرثر
مثلهن ، وفوق كل هذا تجبرنا على خدمتها
! ربما البطة على حق .. )
ابتعد
قليلا ، ثم وقف يراقب برّوقة من بعيد : (
تبدو لي دجاجة عادية ، ثم إن جدي لم
يوصني بالزواج من دجاجة حمراء ، ولكني
قلت ذلك لأتقرّب منها .. أجل ، إنها
دجاجة ، ليست سوى دجاجة ، دجاجة حمراء .
)
عرض
الديك على برّوقة أن تعيش معهم كدجاجة
عادية ، لكنها رفضت ، وقررت الرحيل ،
لتجرّب حظها في مزرعة أخرى ، ولم يسمع
عنها أحد منذ ذلك الوقت .
صغيري
.. إن كانت لديك دجاجة حمراء اهمس في
أذنها بهذه الكلمات : (
يستطيع الإنسان أن يتفوق على الآخرين
بعقله وقلبه ، لا بمظهره ولونه . )
ترى
! ألا تذكّرك هذه القصة بقول الله تعالى
:
ومن آياته خلق
السماوات والأرض ، واختلاف ألسنتكم
وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين
(22 الروم )
والآن
.. أغمض عينيك يا صغيري .. ها هي النجوم
تتلألأ من بعيد ، وعلى نافذتك يغفو
القمر ، دع النوم يتسلل إليك ، ويسكن
عينيك ، نم يا صغيري ، نم ؛ فعين الله لا
تنام .
|