|
أخذت
إسراء معها كتاباً… كانت تريد استغلال
الطريق إلى عسقلان بالقراءة… باتت
امتحانات نهاية العام قريبة وعلى
الأبواب… ومع معرفتها بأهمية
الاستعداد للامتحان إلا أنها لا
تستطيع إعفاء جدّتها من حكاية القصة…
وأيّة قصة… إنها قصة أعظم مأساة شهدها
أهل فلسطين… قصة طرد شعب بأكمله… أرضه
ووطنه… اقتلعوهم بقوة السلاح من
حقولهم وديارهم… من مدنهم وقراهم من
الأرض التي ولدتهم وتربّوا في أحضانها
الطيبة… اقتلعوهم من جذورهم ورموهم في
شتى أنحاء الأرض… كانت الحافلة تنزل
من جبال القدس باتجاه السهل السّاحلي،
باتجاه المروج الخضراء التي تنتشر على
مدّ البصر ولا يرى لها آخر… سهول واسعة
مزروعة بشتّى أنواع المزروعات…
جَنّات معروشات من العنب الأبيض
والأسود… البرتقال الذي تزّين بالخرز
البرتقالي الكبير… القطن، البندورة
والخيار …
كانت
هذه المشاهد الجميلة تستفزّ مشاعر
الجدة… تنظر إليها وتقول بصوت حزين
وبعصبية هادئة:
-
مثل هذه الأرض التي طردونا منها يا
إسراء... عندما سقطت يافا في قبضة
الإرهاب اليهودي… حمل الناس أولادهم
وفرّوا من الموت… كانت أخبار الإجرام
والقتل والدمار تسبق عصابات اليهود…
دبَّ الخوف في نفوس الناس… هربوا من
الموت، لماذا نخاف من الموت؟! كان
الموت أفضل ألف مرة من مرارة الغربة
التي تجرّعناها على مدار خمسين عاماً…
هرب الناس خوفاً من الموت وأملاً في
العودة السريعة… كانوا يتأمّلون في
الجيوش العربية… قالوا إنها سوف تصل
وتحرِّر الأرض التي احتلها اليهود ثم
تعيد الناس إلى ديارهم…
قالت
إسراء:
-
وهل وصلت الجيوش العربية؟ لماذا لم
تقتل اليهود شرَّ قتلة؟
-
آخ يا إسراء، ماذا أقول لكِ… لقد خيَّب
الحكام العرب آمالنا… بعثوا بقوات
ضعيفة… كانت بتسليح ضعيفٍ وتدريب بسيط…
لم تفلح هذه الجيوش ….
-
حدّثيني يا جدتي عن عائلتنا… كيف
تركتم البيت والبيارة الواسعة؟!
-
لقد فقدت ما هو أعزّ من البيت والبيارة
والدنيا كلّها… لقد فقدت أختي الصغيرة
…. مازلت أذكر عندما أيقظتني أمي آخر
الليل… كانت النيران تضيء الظلام…
قذيفة حارقة أصابت مخزن الحبوب التابع
للبيت… قمت من نومي مذعورة، خائفة…
حمل الكبار الصِّغار… أخوتي وأخواتي
حملوا صغار البيت… كان أنا نصيبي مع
أمي… وكان أبي قد خرج من بداية الليل
ليحارب مع الثوار… وصّى أمّي بأن لا
تخرج من البيت مهما كلّف الأمر… كان
يفضِّل الموت على الخروج… ولكن النار
وصلتنا… ماذا نفعل؟... خرجنا من البيت
الذي يحترق… لم تحمل أمي سوى مفتاح
البيت… كنّا أربعة عشر نفراً… وجدنا
الحقول المحيطة بالمدينة غاصّة
بالفارّين من الموت… اختلطنا بالناس
وسرنا باتجاه الحقول المحيطة بالمدينة…
كانت أصوات الرصاص وقذائف المدافع
تطاردنا… أمطروا المدينة بالرصاص
الحاقد… نبحت الكلاب من كلّ جانب،
هامت الدوابّ على وجوهها ولم تجد من
يسوقها… صحت في أمي وأنا أبكي: (البقرة،
الخروف، الدجاجات والدّيك الفصيح)…
كان صديقي العزيز هو خروف العيد… كنت
أشفق عليه… الخروف المسكين ينتظر
الذبح يوم العيد… تركناه مربوطاً في
البيت… نسينا أن نودِّعه… بكيت عليه،
رجوت أمي أن نأخذه معنا ولكن بعد فوات
الأوان… كنّا في زحمة الناس نتدافع في
أزقّة المدينة وعتمة الليل… خرجنا
أخيراً من المدينة… هربنا بأرواحنا…
تنّفس الصباح… بدأنا نرى أنفسنا…
تجمّعنا من بين الناس… نظرت أبحث عن
"فيحاء" أختي الصغيرة… كان عمرها
خمس سنوات...
قالت
إسراء:
-
كانت أصغر منك بست سنوات؟!
-
نعم… كانوا ثلاثة أصغر مني.. فيحاء خمس
سنوات، وفاطمة سبع سنوات، ومحمود تسع
سنوات، المهم أنني نظرت من حولي فلم
أجد فيحاء… صرخت (أين فيحاء؟)… انتفضت
أمي... وقف أخوتي الكبار… لم يجدوها
معنا… أين ذهبت؟ هل أخرجناها من البيت
الذي يحترق؟! أم أنها بقيت في سريرها
النحاسي غارقة في النوم؟!
قالت
أمي:
-
أنا أخرجتها معكِ من البيت… حملتها لك
يا عبد الله…
قال
"عبد الله":
-
حملها مني في الطريق عبد الحكيم…
قال
محمود:
-
سارت معي يدها بيدي …
قالت
أمي والدموع تملأ عينيها:
-
أين أنت يا فيحاء؟؟
ثم
صاحت:
-
ابقوا مكانكم سأذهب للبحث عنها …
مسَك
بها أحد أخوتي بعد أن تجمّع علينا
الناس… قالت:
-
اتركوني… ابنتي، حبيبتي الصغيرة "فيحاء"…
-
ابنتي سأموت من أجلها …. أرجوكم
اتركوني…
قال
الناس:
-
والله لن نترككِ تذهبين للموت… أنفقد
اثنتين بدل واحدة… ثم إنهم طمأنوها
وقالوا: (ستجدينها إن شاء الله… لا بد
وأنها مع إحدى العائلات… ومصير الحي
يتلاقى… بكتها أمي طويلاً… ارتحلنا
من ذلك المكان المشؤوم ثم توجّهنا
باتجاه جبال الضفة… سكنّا لاجئين في
مخيَّم نصبوا فيه الخيام… أعطونا خيمة
صغيرة… كنّا نصطف فيها عندما ننام كما
يصطف السَّمك في علبة السردين…
قالت
إسراء:
-
من البيت الكبير والحقول الواسعة إلى
خيمة صغيرة؟!
تابعت
جدتها:
-
ذقنا الأمرّين في هذه الخيمة… حرّ
الصيف وبرد الشتاء، والأقسى من هذا
غياب والدي الذي طال… لا ندري أهو في
عالم الأحياء أم في عالم الأموات…
انتظرناه طويلاً… سبعة شهور ونحن نبكي
على فيحاء ونتحرّق شوقاً على أمل
اللقاء بالوالد الحبيب… كان أبي يبحث
عنّا في مخيمات اللاجئين التي انتشرت
في الضفة الغربية والأردن وسوريا
ولبنان… أخيراً استدلّ على مخيّمنا…
وصل إلينا وقد أرهقه التعب… لقد نقّب
عنا كلّ بلدان الشتات التي شتّت فيها
الشعب الفلسطيني، طاف على كلّ
المخيمات… وكم كانت فرحته كبيرة عندما
عرف عنواننا... أشرقت شمس سعادته من
جديد... تبدّد ظلام ليله الطويل منذ
فارقنا… كان لقاؤه بنا حاراً وعظيماً…
طرنا من الفرح… تعّلقت أنا في عنقه…
ركبت فاطمة على كتفيه وضمّت رأسه على
صدرها… وفجأة انقلب الفرح إلى مأتم…
سأل عن فيحاء..
قال
ببساطة:
-
أين فيحاء؟
سالت
الدموع من عيون أمّي ومن عيوننا جميعاً…
سأل:
-
هل ماتت؟! …
قالت
أمي:
-
لا… لقد ضاعت… فقدناها ليلة الخروج من
يافا… "تلاشت البسمة"… عاد الحزن
يملأ قلب أبي… قال بحزن (سأدور على
المخيمات من جديد… كما وجدتكم سأجدها
بإذن الله)… لقد مات والدي يا إسراء
بالسكتة القلبية قبل أن يجد فيحاء…
-
وهل سنجدها في يومٍ من الأيام؟… سألت
إسراء.
-
ما زال الأمل موجوداً… أسمع قصصاً
كثيرة عن لقاءات تتمّ بعد غربة عشرات
السنين… منذ أن طُرِد الشعب الفلسطيني
من أرضه …
-
ومنذ متى يا جدتي نسكن القدس؟!.. سألت
إسراء.
-
قصة القدس وقصتنا معها طويلة… إن شاء
الله بعد الامتحانات وفي العطلة
الصيفية سأحدثك قصصاً كثيرة عن أيامنا
في القدس …
-
كل يوم قصة؟!!.. سألت إسراء.
-
إن شاء الله… لا تقلقي يا إسراء …
وصلت
الحافلة إلى عسقلان بسرعة… لم تشعر
إسراء بطول الطريق.. أخذت بيد جدّتها
ونزلت للقاء الحبيب العمّ عز الدين …
|