|
طلبت
الأم من سارة أن تساعدها في تنظيف
المطبخ ، فارتفع صراخ سارة احتجاجا وهي
تقول كعادتها :
( دائماً
سارة ! سارة أحضري القهوة ، سارة ساعديني في إعداد
الطعام ، سارة نظفي الحديقة ، سارة أخفضي صوتك ، دائما
سارة ! في العمل سارة ، وفي اللعب أمجد ! من حقي أن أنام
كأمجد ، من حقي أن أخرج مع أبي مثله . ) .
كظمت
الأم غيظها ، ونادت سارة وهي تقول :
(
اخفضي صوتك ، وتعالي إلى المطبخ . )
مما
أثار غضب سارة ، فصارت تدفع الأشياء من
حولها بقوة متعمّدة أن تصيب بها أخاها
أمجد الذي قفـز عـن الأريكة
بفزع :
( أمي ! أنقذيني يا أمي ! إنها تلقي
بالكتب على رأسي . ) .
اقتربت
الأم منهما ، نظرت إلى سارة بغضب ، ثم
أمرتها بالذهاب إلى المطبخ ، وفي
طريقها استوقفها والدها وسألها عن سبب
صراخها ، فارتمت على صدره وهي تقول
مجهشة بالبكاء :
( أريد أن أعيش كأمجد يا
أبي ، أريد أن أكون ولداًً ، أنا أكره
العمل في المنزل ، أكره إعداد الطعام ،
أكره مسح الغبار عن الأثاث ، أكره أن
أكون بنتاً ، أريد أن أكون ولداً ! ولداً! )
فقال لها والدها متأثراً :
( الأولاد
يعملون مع آبائهم يا سارة ، والبنات
يساعدن أمهاتهن ، هذه هي الحياة يا
صغيرتي ! ولكل منا دوره فيها .) .
فقالت
له وهي تمسح دموعها :
( الأولاد يقومون
بالأعمال السهلة ، أما الأعمال الصعبة
فللبنات ! ) .
جلس والدها على الأريكة ،
ثم أجلسها على رجليه وهو يطوقها
بذراعيه ويقول لها مؤكداً :
( لو كنت
تقومين بالأعمال التي يقوم بها أمجد
لما قلت ذلك . )
لكنها نظرت إليه برجاء :
(
أرجوك يا أبي ! خذني معك ، مرة واحدة !
واترك أمجد يساعد أمي بدلاً مني . )
نظر
والدها إليها بإشفاق ، ثم قرر أن
يأخذها لتكتشف الحقيقة بنفسها . وما إن
أومأ برأسه موا فقا حتى قفزت من الفرح !
وكم شعرت بالارتياح وهي تخرج من البيت
ممسكة بيد والدها.
كان
والد سارة نجّاراً ، وهذا العمل يا
صغيري بحاجة إلى كثير من القوة والصبر
، وكانت سارة سعيدة بوجودها معه في
بادئ الأمر ، لكن الملل بدأ يتسلل
إليها ، ولم تعد تناول أباها أدواته
بالحماس الذي بدأت به ، أما نشارة
الخشب فقد ملأت شعرها - لأنها تحشر
أنفها في كل شيء - حتى صارت تضايقها !
أحس
والدها بما يدور في نفسها ، فتعمّد أن
يثقل عليها بالعمل ، ولولا خجلها من
نفسها لصاحت متذمّرة كما تفعل في البيت
.
وبينما
تعمل سارة مع والدها حضر صديق والدها
ومعه ابنته الصغيرة . بدا جميع من في
المنجرة سعداء بتلك الطفلة ! فستانها
الجميل ، شعرها الطويل ، كلماتها
الرقيقة ! كلهم لاطفوها ، بينما لم
يحاول أي منهم ملاطفة سارة .
نظرت
سارة إلى يدها فوجدتها متّسخة ، تحسست
شعرها فضايقها ملمسه ، نظرت إلى
ملابسها بخجل ، ثم نظرت إلى والدها
الذي قدّم للطفلة كرسياً لتجلس عليه حتى
لا يتّسخ فستانها ..
وفي
المساء عادت سارة متعبة ، وتكاد أن
تنام واقفة ! بينما يجلس أمجد على
الأريكة مرتاحاً وبيده كوب من العصير .
نظرت إليه بحسرة ، ثم ذهبت لتستحم وهي
تحلم بتناول الطعام بعد كل هذا التعب !
وما إن جلست على الكرسي حتى استغرقت في
نوم عميق حتى الصباح .
وعندما
دخلت أمها إلى المطبخ لتعدّ لهم طعام
الفطور ، فوجئت بسارة وقد أعدته
بنفسها، ودون أن تطلب منها ذلك ، ورغم
كل شيء رفضت أمها أن تستبدلها بأمجد ،
وأصرّ والدها على الاحتفاظ بها ، فبكت
بحرقة وهي تتحسس شعرها ، وتقول لوالدها
بندم :
( أعدك أن أساعد أمي ! وألا أتذمّر
ثانية ، أريد أن أكون بنتاً يا أبي ،
هكذا خلقني الله ، وهكذا أريد أن أكون !
) .
ما
رأيك يا صغيري أن نفكر معاً بقول الله
تعالى :
.. وليس الذكر كالأنثى ..
(
36 آل عمران )
والآن
.. أغمض عينيك يا صغيري .. ها هي النجوم
تتلألأ من بعيد ، وعلى نافذتك يغفو
القمر .. دع النوم يتسلل إليك ،ويسكن
عينيك ، نم يا صغيري ، نم ؛ فعين الله لا
تنام .
|