|
-سأشفع
لك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
بشرط أن تشفع لي يوم القيامة إذا نلت
الشهادة.
مسح
رافع دموعه بفرح غامر قائلاً:
-أنا
أحلم بالشهادة حتى أكون رفيقاً لرسول
الله صلى الله عليه وسلم في الجنة، ولن
تكمل سعادتي إلا بوجودك معي في الجنة،
أبشر يا أبتي.
ذهب
أبو رافع ورافع يتقدمه مسرعاً إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، واستأذن أبو
رافع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن
يسمح لابنه رافع بالجهاد في هذه
الغزوة، فأذن رسول الله صلى الله عليه
وسلم لرافع في الجهاد، والسرور يطفح من
وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم
فرحاً بهؤلاء الفتية الصغار الشجعان،
فهم أمل الأمة ومستقبلها، وحاملو لواء
الجهاد والإسلام في المستقبل.
فرح
رافع فرحاً لا يوصف، واحتضن سيفه بحب
واعتزاز وأخذ يقبله، كأنه هدية العيد،
ثم بدأ يلوّح به في الهواء، وينادي:
-أقبل
عدو الله وعدو رسوله، حتى أجعلك عبرة
لمن يعتبر.
رأى
الفتى الصغير سمرة بن جندب ما جرى بين
رسول الله صلى الله عليه وسلم ورافع،
فذهب مسرعاً إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، وطلب من أن يسمح له أيضاً
بالجهاد كما سمح لرافع، فأبى رسول الله
صلى الله عليه وسلم لصغر سنه، فطلب
سمرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم
أن يسمح له بمصارعة رافع، وكان واثقًا
من نفسه فأمرهما رسول الله صلى الله
عليه وسلم أن يتصارعا.
فهجم
سمرة على رافع بكل قوته، حتى يفوز
عليه، ويفوز بشرف الجهاد، وكان له ما
أراد،
فغلب
سمرة رافعًا، فضحك رسول الله صلى الله
عليه وسلم وأذن لسمرة بالجهاد.
فتحقق
حلم سمرة كما تحقق حلم رافع.
وأبلى
رافع في هذه المعركة بلاء حسناً،
وأُصيب بعدة طعنات، ولكنه لم يأبه
لآلامه، حتى أصيب بسهم في ثديه، وأخذت
الدماء تسيل منه بغزارة، فتحامل على
نفسه، وذهب إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم وقال له:
-يا
رسول الله، انزع لي السهم.
فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"يا
رافع، إن شئتَ نزعتُ السهم والقُطْبة (أي
نَصْلَ السَّهْمِ) جميعاً، وإن شئتَ
نزعتُ السهم وتركتُ القُطْبة، وشهدتُ
لك يوم القيامة أنّك شهيد".
فقال
رافع والبشر يطفح من وجهه:
-يا
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، انزع
السهم واتركْ القُطْبة، واشهد لي يوم
القيامة أني شهيد.
فنزع
رسول الله صلى الله عليه وسلم السهم
بحنان بالغ، وتأثر عظيم، وحبّ شديد
لأصحابه، الذين خالط حبَّ رسول الله
قلوبهم، وبادلهم رسول الله صلى الله
عليه وسلم حبَّهم هذا بحبٍّ أعظم.
وعاش
رافع صلى الله عليه وسلم حياته
والقُطْبة في صدره.
دخل
رافع يوماً على رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، وكان عند رسول الله صلى
الله عليه وسلم قدر فيه لحم على النار،
فأعجبت رافع قطعة من شحم، كانت بين
اللحم، فأخذها وأكلها، ولم تمض ساعة
حتى أخذ رافع يتلوى من الألم، كأن قطعة
الشحم التي أكلها لم تستو بعد، مما
سببت له المرض، فجاء رسول الله صلى
الله عليه وسلم إلى رافع، ومسح على
بطنه، فذهب الألم فوراً من رافع، ولم
يعد يشتكي رافع من بطنه أبداً حتى
وفاته.
وقد
روى رافع رضي الله عنه عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم الكثير من الأحاديث
النبوية الشريفة، بسبب ملازمته لرسول
الله صلى الله عليه وسلم وتتبع آثاره،
حتى صار مفتياً في المدينة.
والعالم
يقدر العلماء ويجلّهم، فلما مات ابن
عباس رضي الله عنه ، قال رافع:
-مات
اليوم من كان يحتاج إليه مَنْ بين
المشرق والمغرب في العلم.
وفي
خلافة أمير المؤمنين معاوية بن أبي
سفيان رضي الله عنه ، تحركت القٌطْبة
من مكانها، فانفتح الجرح من جديد كما
كان في يوم أُحُد، وأخذ ينزف وينزف،
حتى عجز الأطباء عن معالجته، ودنا
الموت الذي لا مفرّ منه، ولكنه موت
كريم، إنه شهادة، مطلب رافع مذ كان
صغيراً، وكما وعده رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، أن يترك له القُطْبة وينال
الشهادة بسببها.
وفي
عصر يوم مبارك انتقل رافع صلى الله
عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى شهيداً،
محتسباً أجره عند الله.
|