|
تألم والدها عمر وهو يلمح ابنته والترمل
يغتال شبابها ويمتص حيويتها، وفكر
طويلاً بعد انقضاء عدتها، ثم قرر أن
يختار لها زوجاً تأنس إلى صحبته، يعيد
إليها نضارتها قبل أن تنضب وتجف..
يشاركها في مصاعب الحياة، ويعينها على
طاعة الله ومرضاته.
ومرّت الأيام ثقيلة متتابعة.. وما من
خاطب يتقدّم لخطبتها.. عندها فكّر
الوالد الملهوف من سيكون زوج ابنته فلم
يجد خيراً من أبي بكر الصديق رضي الله
عنه، يعرض عليه خطبة ابنته، وفي يقينه
أن أبا بكر سيرحب بالشابة التقية، ولكن
أبا بكر أمسك ولم يجب، فما كان من عمر
إلا أن انصرف حزيناً لا يكاد يصدّق أن
صاحبه قد رفض ابنته حفصة، وساقته قدماه
إلى حيث بيت عثمان بن عفان وكانت زوجته
السيدة رقية بنت محمد صلى الله عليه
وسلم قد مرضت بالحصبة وتوفيت على
أثرها، فعرض عليه حفصة وهو لا يزال
يحسّ بمرارة الرفض من أبي بكر، ولكن
عثمان استمهله أياماً ثم جاء بعدها
ليقول له:
- أنا لا أرغب في الزواج الآن..
توجه الوالد الحزين إلى الرسول الكريم
يشكو صاحبيه أبا بكر وعثمان لرفضهما
الزواج من ابنته حفصة، فتبسّم صلى الله
عليه وسلم وقال:
"يتزوج حفصة من هو خير من عثمان،
ويتزوج عثمان من هي خير من حفصة".
لم يدر عمر بن الخطاب رضي الله عنه معنى
قول الرسول الكريم (عليه الصلاة
والسلام) من شدّة الهمّ الذي نزل به حتى
خطبها الرسول صلى الله عليه وسلم
لنفسه، فنهض عمر إلى الرسول يصافحه
متهللاً وخرج من عنده مسرعاً إلى بيته
ليزف لابنته بشرى الخطبة المباركة..
وزوّج الرسول الكريم عثمان بن عفان
ابنته أم كلثوم بعد وفاة أختها رقية.
ولما تزوّج الرسول من حفصة، لقي عمر بن
الخطاب صاحبه أبا بكر، فاعتذر أبو بكر
إليه وقال:
- لا تحمل عليّ يا عمر، فإنّ رسول الله
كان قد ذكر حفصة، فلم أكن لأفشي سرّ
رسول الله، ولو تركها لتزوجتها؟
وتحققت فرحة عمر وابنته حفصة، وبارك
الصحابة يد رسول الله وهي تمتد لتكرّم
عمر بن الخطاب بشرف المصاهرة من الرسول
الكريم عليه الصلاة والسلام، وتمسح عن
حفصة آلام الترمّل والفرقة.. وكان
زواجه بحفصة سنة ثلاث من الهجرة على
صداق قدره أربع مئة درهم، وكان عمر
السيدة حفصة يومها عشرين عاماً..
ودخلت العروس إلى بيت النبوة وفي البيت
أمهات المؤمنين: سودة بنت زمعة، وعائشة
الصدّيقة بنت الصدّيق، التي كانت
حبيبة رسول الله وابنة وزيره وصديقه
الصدّيق أبي بكر رضي الله عنهم جميعاً.
ومع مرور الوقت وكما يكون بين سائر
النساء اشتعلت الغيرة في نفس العروس من
ضرتها عائشة، وربما كانت تبدي غيرتها
ولا تستطيع لها كتماناً، ولكن أباها
الذي يعرف قدر عائشة ومكانتها ومكانة
أبيها عند رسول الله صلى الله عليه
وسلم، كان يخفف من جموحها ويقول لها:
"أين أنت يا ابنتي من عائشة، وأين أبوك
من أبيها؟"
وفي يوم من الأيام خلا النبي - صلى الله
عليه وسلم - بزوجته مارية - رضي الله
عنها - وهو في بيت حفصة، فلما انصرفت
مارية دخلت حفصة حجرتها وقالت للنبي -
صلى الله عليه وسلم -:
- لقد رأيت من كان عندك، يا نبي الله، لقد
جئت إليّ شيئاً ما جئت به إلى أحد من
أزواجك في يومي، وفي دوري وفي فراشي..
ثم استعبرت باكية.. فأخذ رسول الله
يسترضيها قائلاً:
- ألا ترضين يا حفصة أن أحرّمها فلا
أقربها؟
أجابت حفصة:
- بلى يا رسول الله..
فحرّمها رسول الله على نفسه وطلب من حفصة
ألا تذكر ذلك لأحد..
رضيت حفصة بذلك، وسعدت ليلتها بقرب
النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا
أصبح الصباح، لم تستطع كتمان سرّها،
فنبّأت به عائشة، وكشف الله تعالى
إفشاء سرّها، مؤدّباً لحفصة خاصة،
ولنساء النبي عامة، فأنزل في كتابه
العزيز:
﴿وإذ أسرَّ النبي إلى بعض أزواجه
حديثاً، فلما نبّأت به وأظهره الله
عليه، عرّف بعضه وأعرض عن بعض، فلما
نبّأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني
العليم الخبير﴾ سورة التحريم الآية:
3
فلما بلغ ذلك أباها عمر بن الخطاب، حثا
التراب على رأسه من شدّة الألم وقال:
- ما يعبأ الله بعمر وابنته بعدها..
فنزل جبريل - عليه السلام - من الغد على
النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال:
(إنّ الله يأمرك أن تُراجع حفصة رحمة
بعمر).
كانت حفصة تتمتع بجرأة أدبية كبيرة، فقد
كانت كاتبة ذات فصاحة وبلاغة، ولعلّ
هذا ما جعلها تبدي رأيها ولو بين يدي
الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة
والسلام..
وذات يوم سمع عمر - رضي الله عنه - من
زوجته أن حفصة تراجع الرسول - صلى الله
عليه وسلم - بالكلام، فجاء إليها
غاضباً، وقال لها يزجرها بحدّة:
- تعلمين أني أحذرك عقوبة الله وغضب
رسوله. يا بُنيّة! لا يغرّنك هذه التي
أعجبها حسنها وحبُّ الرسول -صلى الله
عليه وسلم- إياها، والله لقد علمت أنّ
رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لولا
أنا لطلّقك..
كانت حفصة - رضي الله عنها - أم المؤمنين،
صوّامة قوّامة.. شهادة صادقة من أمين
الوحي جبريل -عليه السلام- وبشارة
محققة من الله تعالى:
(إنها زوجتك - يا رسول الله - في الجنة!!
وقد وعت حفصة مواعظ الله حق الوعي،
وتأدبت بآداب القرآن الكريم حق
التأدّب.. وعكفت على المصحف الشريف
تلاوة وتدبراً وتفهماً وتأملاً، مما
أثار انتباه أبيها الفاروق عمر بن
الخطاب، ولاحظ اهتمامها الكبير بكتاب
الله تعالى، مما جعله يوصي بالمصحف
الشريف الذي كُتب في عهد أبي بكر
الصدّيق بعد انتقال الرسول صلى الله
عليه وسلم إلى جوار ربه الأعلى، فكانت
حفصة هي التي اختيرت من بين أمهات
المؤمنين جميعاً، وفيهن عائشة لتحفظ
أول نسخة خطية للقرآن الكريم، وذلك حين
وقعت حرب الردّة في عهد أبي بكر
الصدّيق رضي الله عنه، التي استشهد
فيها عدد كبير من حفظة القرآن الكريم،
فجاء عمر رضي الله عنه إلى أبي بكر يطلب
إليه أن يقوم بجمع القرآن الكريم في
مصحف، قبل أن يمضي حفظته الأولون، فأخذ
أبو بكر بنصيحة عمر، وجمع القرآن في
صحف، وبقيت الصحف عند أبي بكر الصديق
حتى توفاه الله، ثم عند عمر حتى إذا
أحسّ بقرب وفاته أوصى إلى ابنته حفصة
رضي الله عنهما، فكان المصحف عندها،
لأنها كانت تحفظ القرآن منذ بدء نزوله،
كما روت عن النبي صلى الله عليه وسلم
ستين حديثاً نبوياً شريفاً.
وفي عهد عثمان بن عفان - رضي الله عنه -
أرسل إليها يطلب منها النسخة الأصلية
لديها، ثم أمر رضي الله عنه بأن تنسخ من
النسخة التي عند حفصة نسخاً عديدة،
وأمر بأن توزع هذه النسخ على الأمصار
الإسلامية الموجودة يومها، وصارت هذه
النسخ هي المرجع الأساسي للناس في
تلاوة كتاب الله تعالى.
أقامت أم المؤمنين حفصة بالمدينة عاكفة
على العبادة قوّامة صوّامة إلى أن
توفيت في عهد معاوية بن أبي سفيان رضي
الله عنهما- وحضر الصحابة الكرام
لتشييع جثمانها، وصلى عليها مروان بن
الحكم، أمير المدينة المنورة آنذاك..
رضي الله عنهم جميعاً وأرضاهم.ً.
|