|
العشب
الأخضر ! الورود الحمراء ! وتلك
الدجاجات الجميلة التي تمنح الجدّة
البيض اللذيذ .
شيء
واحد كان يضايق رماح ، ولا يمكّنها من
الاستمتاع بوقتها ، هل عرفت ما هو ؟
تماما ، إنه يوسف الصغير ، فهو يريدها
أن تمسك بيده ، وألا تبتعد عنه ، لأنه
يشعر بالخوف بعيدا عنها ، ثم إنه كثير
الأسئلة ، يعتمد عليها في كل شيء ،
ويرغب في لمس كل شيء يراه !
فكّرت
رماح بالتخلّص منه ، لكنها تذكّرت
وعدها لأمها ، فتراجعت عن الفكرة ، وهي
تقول لنفسها بحسرة : ( ليته ينام ! لو كنت
أعلم أنه مملّ إلى هذا الحد ما رضيت
بمرافقته ! ) بينما يشدّ يوسف ثوبها
بانفعال وهو يتابع بنظره عصفورا يطير
بين الأشجار .
ها
هي رماح تفقد صبرها ، وتصرخ مبعدة يوسف
عنها : ( ابق هنا ! أتفهم ؟ إياك أن
تتبعني ، سأضربك إن فعلت . أريد أن ألعب
وحدي ، لا يمكنني تحمّلك أكثر ! ) .
جلس
يوسف على الأرض يبكي ، بينما تركض رماح
مبتعدة ودون أن تلتفت إليه ، أو تفكّر
في الوعد الذي قطعته على نفسها !
أمضت
رماح وقتا ممتعا مع صديقاتها في القرية
، تجوّلت في البساتين ، وشربت معهن لبن
الماعز اللذيذ ، ولم تتذكّر يوسف إلا
في طريق العودة وقد أصابها الإعياء من
كثرة اللعب !
توجّهت
إلى المكان الذي تركت فيه يوسف لتبحث
عنه ، وبدل أن تجده وجدت قميصه ممزقا ،
وملقى على الأرض بين الورود !
شعرت
رماح بخوف شديد ! وبسرعة توجّهت إلى بيت
الجدّة لتطمئن على يوسف لكنها لم تجد
أحدا ، فجلست على الأرض تبكي ، وهي
تقول لنفسها بخوف :
( ماذا حدث ليوسف ؟
وأين هو الآن ؟! )
ترى
ماذا ستقول رماح لوالدتها ؟ بل وكيف
ستسامح نفسها إن حدث ليوسف مكروه ؟
وما
هي إلا لحظات حتى سمعت صوتا كثيرا ما
ضايقها ، لكنها تسمعه الآن بمنتهى الحب
، إنه بكاء يوسف ! قفزت من مكانها نحو
البوابة الخارجية ، فرأت جدتها تمسك
بيد يوسف الذي توزّعت الضمّادات على
وجهه ويديه .
خجلت
رماح من نفسها حين نظرت إليها جدتها
بلوم ، بينما قال لها يوسف باكيا : (
لماذا تركتني ؟! ) فلم تشعر بنفسها إلا
وهي تحضنه بحب ! لقد عرفت كم كانت مخطئة
! لو أنها احترمت وعدها لأمها ، واعتنت
بأخيها الصغير لما تحمّل كل هذا الألم !
آه
! تريد أن تعرف ما حدث ليوسف أثناء غياب
رماح ؟ في الواقع .. لقد حاول تسلّق شجرة
ورد !
ترى
.. ألا تذكّرك هذه القصة بقول الله
تعالى :
.. والموفون بعهدهم إذا عاهدوا
والصابرين في البأساء والضراء وحين
البأس اولائك الذين صدقوا واولائك هم
المتقون
(177
البقرة )
والآن .. أغمض عينيك يا صغيري .. ها هي
النجوم تتلألأ من بعيد ، وعلى نافذتك
يغفو القمر ، دع النوم يتسلل إليك ،
ويسكن عينيك ، نم يا صغيري ، نم ؛ فعين
الله لا تنام .
|