مجلة الفاتح ـ الصفحة الرئيسة

 مـجــلة الـفـتـيان والـفـتـيـات.. مـجـلـة بـنـاة الـمـسـتقـبـل

    صفحات جهادية .. ومنارات علمية .. حكايات ولا أجمل .. وبطولات ولا أروع  

   تصدر في 1 و 15 من كل شهر

الفاتح ـ الصفحة الرئيسة

                   

 
     

محتويات العدد

 

الافتتاحية

من نجاحٍ إلى نجاح

شرفني بقتلهم

خديجة بنت خويلد

أنا مدينة رفح

الشهيد خالد مسعود

العصفور

فرتـونة السوداء

السمك والدرفيل

حكايات العم عز الدين

أنا شعشوب العنكبوت

وصية شهيد

كلمات ومعاني

جدتي

وأنا أبدأ

الدب والسمكة

عزيزتي فتاة المستقبل

البــوم

القرع (اليقطين)

مهارات

نرسم ونلون

حكايات قبل النوم

الجزء الثاني

المقدمة

 

قصصنا في الجزء الأول بعض ما كان بين إسراء وعمّها عز الدين من قصص ممتعة وحوارات شيّقة.... حدَّثها عمّها عن قصة جهاده في القدس وحدّثها عن قصص مجاهدين قابعين معه وراء القضبان... هناك في سجن عسقلان الرباط، وقد ساهمت أيضاً جدة إسراء بالمزيد دون أن تشبع منها... لذلك فإنها سلكت طريقاً آخراً وهوالحصول على المزيد منها من خلال المراسلة. إنها تحبّ المراسلة وتتقِن الكتابة بشكلٍ جيِّد، فما كان منها  إلا أن أطلقت لقلمها العنان وأرسلت رسائلها للكثيرين من المجاهدين داخل السجون - لم تتأخّر الردود وجاءتها المزيد من القصص... قصص مجاهدين وأبطال أذاقوا المحتلين الموت والدمار... وردّوا على الإجرام بمقاومةٍ وفدائيةٍ منقطعة النظير.  

وها نحن في الجزء الثاني نتابع معكم قصص إسراء... إسراء التي نمت وترعرعت فكانت إيماناً صادقاً يرفرف بجناحيه في سماء القدس... إيماناً بالله وبحقّنا في القدس، وبحقّنا المقدس بفلسطين كلّ فلسطين... فلسطين ذات التاج الذهبي... المسجد الأقصى المبارك... والآن لنتابع معاً وسوياً إسراء الجديدة.

*   *   *

عين إسراء في سبيل الله

في الصباح وجدت إسراء في نفسها نشاطاً لم تعهده منذ أن دخلت هذا المشفى، نادت على الحكيمة حنان وطلبت منها دفتراً وقلماً، ثم راحت تكتب هذه الرسالة:

"عمي العزيز / عزّ الدين:

تحية طيبة وأشواق حارة...

أجمل تحية وأعظم سلام أطيِّرها لأعزّ حبيب...

سلام الله عليك ورحمته وبركاته،

وبعد...  

عين إسراء في سبيل الله

لا أدري من أين أبدأ...  لقد كان انقطاعي عنك طويلاً بعد أن نقلوك إلى سجن "نفحة"  الصحراوي … هذا السجن المدفون في عمق الصحراء... البعيد... وكأنه في بلاد اليمن، تتعب الحافلة في شهيقها وزفيرها قبل أن تصل إليه... الحافلة تتعب فما بالك بجدّتي التي بلغت السبعين من عمرها... الزيارة إلى نفحة عذاب... ولكننا نحبّها لأننا نراك ونسمع كلامك الدافئ الحنون... حصتنا منك ثلاثة أرباع الساعة كلّ أسبوعين، لقد حرمونا من هذه الزيارة الغالية بعد أن أحكموا علينا الحصار... قطع اليهود كلّ الطرق ومنعوا أهالي الأسرى من زيارة أبنائهم...

كان هذا بعد أن اندلعت انتفاضة الأقصى وعمّت المواجهات الدامية كلّ المدن الفلسطينية... لا بد وأنك تتابع أخبار هذه الانتفاضة وأنت قابع في غياهب السجون... سأحدثك في رسالتي هذه عن بعض الأحداث التي رأيتها بعيني أوسمعتها بأذني... أحداث يشيب لها الأطفال... تُدمي القلوب وتُزلزل الأرواح وتزيغ لها الأبصار... لم أكن أتصوّر في يوم من الأيام أن هناك إنساناً يُجرِم مع أخيه الإنسان كما يفعل اليهود... لقد رمونا بنيران مدافعهم الثقيلة... هجموا على المظاهرات التي لا تملك من السلاح غير الحجر... هاجمونا بالطائرات والدبابات فقتلوا وجرحوا الكثيرين من أطفالنا وشبابنا...

كانت البداية عندما دّنس زعيمهم "شارون" بأقدامه النَّجسة ساحة المسجد الأقصى... دخل المسجد تحت حراسة ثلاثة آلاف جندي من جنود الاحتلال... تصدّى لهم الناس الذين كانوا يُصلُّون داخل المسجد... رجمهم المصلون بالحجارة كما يُرجم إبليس... استفز المسلمين... أشعل نار الحرب... أرادها مجزرة كما فعل في مجزرة "صبرا وشاتيلا" حيث ارتكب أبشع المجازر هناك – في لبنان – وكان له ما أراد في اليوم التالي... بعد صلاة الجمعة …

يوم الجمعة التاسع والعشرين من أيلول لسنة ألفين، الفاتح من رجب، توجَّهتُ مع جدَّتي إلى المسجد الأقصى المبارك... أخذت بيدها وانطلقت من باب الساهرة... كان الناس من حولها يهرولون مسرعين للَّحاق بالصلاة وكنت أنا مع جدتي أسير ببطء شديد حسب مشيتها... فكما تعلم جدتي ثقيلة وخطواتها قصيرة... سرنا من زقاق إلى زقاق، كانت جدَّتي ترسل نظراتها إلى البضائع المعروضة على جنبات الطريق... وتعدِّد لي ما تنوي شراءه في رحلة العودة بعد الصلاة...  

وصلنا إلى باب المسجد... أطلَّت علينا قبة الصخرة بوجهها المشرق... عندما أجد نفسي داخل أسوار الأقصى تهتزُّ مشاعري... يخفق قلبي... أحسّ بنشوةٍ عارمةٍ، وكأن روحي تعانق روح المسجد... يا للروعة وأنا أسمع الآذان يصدح من رؤوس المآذن وكأنه ينادينا لدخول الجنة... كلّ شيء ينادي بالرحمة والسلام، لولا جنود الاحتلال المتربِّصين فوق الأسوار وعند كلّ الأبواب... عيونهم وعيون أسلحتهم ترقب المصلّين كما تفعل الغربان، صعدنا الدرجات لوكنت لوحدي لوثبتها وثباً سريعاً كما تفعل غزالة نشيطة... 

جدَّتي معي فعليَّ السير معها برفق... وصلنا قبة الصخرة فوجدناها قد امتلأت بالنساء... المسجد الأقصى وساحاته للرجال... والقبة الصخرة وفناؤها للنساء... وجدنا مكاناً لنا أمام القبة العظيمة... كان الأقصى أمامنا بجلاله وهيبته التي تأخذ القلوب والأرواح... جلسنا نستمع للخطبة وبعدها قمنا للصلاة...

السلام عليكم ورحمة الله... السلام عليكم ورحمة الله... اندفعت أصوات الرصاص كي تنسف الأجواء الروحية الهادئة... أطلق الجنود الصهاينة رصاصهم على جمهور المصلّين قبل أن يقوموا من صلاتهم... وقذفوا قنابل الغاز من كلّ جانب،  تفرّق الناس والمسجد يغرق في سحب الغاز السوداء... سالت الدماء غزيرة وهبَّ الناس يضربون الذئاب المتوحشة بالحجارة... دارت معركة كانت أسلحة المؤمنين فيها الحجارة مقابل الرصاص وقنابل الغاز الحاقد... رأيتُ سيارات الإسعاف تصل المسجد وعشرات الجرحى يحملهم الناس ويركضون بهم إلى هذه السيارات.  

سحبتني جدتي وأرادت الرجوع بي إلى البيت بسرعة... لم أستطع المشاركة برجم الحجارة لأن جدتي كانت تقبض على معصمي بقوة... جدتي أخذت تشهق وفجأة ارتخت يدها من يدي ووقعت على الأرض.  

أخذت أصرخ "جدتي ماتت.. ماتت جدتي"..  أسرع الناس إليها وحملوها إلى السيارة،  سيارة الإسعاف...

لحقت بهم، حاولت الركوب مع جدتي إلا أنهم أغلقوا باب السيارة بسرعة، وانطلقوا بها خارج المسجد...

بكيت بكاء شديداً ثم قلت في نفسي: لا بد من الانتقام... فالبكاء لا ينفع... تحرّكت قدماي بسرعة نحوساحة المعركة... 

نزلت الدرجات التي تفصل بين قبة الصخرة والمسجد... هناك كان التحام المعسكرين: معسكر اليهود المسلح بالإجرام ومعسكر المصلّين المسلح بالإيمان... سارعت إلى معسكر الإيمان... كانت جدَّتي لا تغيب عن عينيّ... أشعلت دماء الجرحى وأرواح الشهداء الحماس في صدري... قبضت على حجر... صحت... الله أكبر ورميته بكلّ قوتي... أتبعته بحجر آخر وآخر... الغاز كاد يخنقني وأنا لا أبالي... كان الجنود يطلقون النار بكلّ شراسة ومع ذلك فقد كانت جموع المصلين تطاردهم بكلّ بسالة... الجنود يتراجعون والناس يتقدّمون رغم عشرات الجرحى الذين كانت دماؤهم تروي ثرى الأقصى المبارك... المعركة على أشدّها بين كرّ وفرّ... والشباب مصمِّمون على طرد الذئاب المسلحة... صدّقني يا عمي أني لأول مرة كنت لا أشعر بأيّ خوف منهم... كنت بفضل الله كتلة من الشجاعة تطاردهم... تطارد أعداء الله... وكان مما ألهب حماسي وشجعني أن الناس كانوا يهتفون... "بالروح بالدم نفديك يا أقصى"... جعلت أهتف معهم بلساني وقلبي... أما يداي فكانت تهتف برشق الحجارة... "إن أرواحنا ودماءنا رخيصة من أجل الدفاع عن أقصانا المبارك"...

تعاظمت الشجاعة في صدري ولم أعد أحسب حساباً للموت.. قرّرت الشهادة وجعلت أتقدّم إلى أن وصلت الصف الأول... أصبح الجنود تحت متناول اليد وأصبحت فرصة إصابتهم أفضل من قبل... انهمرت الدموع من عيني وسال المخاط من أنفي وتحشرج صدري من غازاتهم اللعينة... أصبحت الرؤيا صعبة، وفجأة... شعرت بألم عنيف يضرب رأٍسي... وضعت راحة يدي على عيني فإذا بها تمتلئ بالدماء... دارت الدنيا بي دورة عجيبة ثم غاب عني كل شيء.... ‍‍‍‍ عادت الصور إلى رأسي من جديد... سمعت أناساً يتحدّثون... ميزت صوت جدتي، هل لحقت بها إلى الجنة؟‍‍‍‍ … أتذكّر أنها ماتت قبلي في الأقصى … ولكني أسمع صوت جدّي أيضاً … إنه لم يمت، حيُّ يرزق... حاولت فتح عيني فلم تستجب لي سوى عين واحدة... أما الثانية فرفعت يدي إليها كي أتفحّص أمرها فوجدتها معصوبة... تقدّم إليَّ جدي، وضع راحته على رأسي... ابتسم ابتسامة مشرقة وهتف:

- الحمد لله على سلامتك يا حبيبتي...

سألت:

- أين أنا؟‍...

أجاب

- أنت في المشفى...  

نظرت إلى جدتي فوجدتها تبكي وكذلك أمي... سألت مازحة:

- لماذا تبكين مثل النساء؟

وقلت لجدَّتي

- حسبتك قد استشهدت... من الذي سرق منك الشهادة؟

كفكفت دموعها وقالت:

- أنا لم أمت يا حبيبتي... لقد أفقت من إغمائي هنا في المشفى، بعد أن قاموا بإسعافي... أنا أتمنى الشهادة، خاصة في المسجد الأقصى... ولكن الشهادة بيد الله... يهبها لمن يستحق من عباده الصادقين...

- وأنا ماذا جرى لي؟ لماذا عيني ورأسي معصوبة؟ أحسّ بألم شديد في عيني...

قال جدي:

- أنت قوية وشجاعة يا إسراء... لقد دافعت عن المسجد الأقصى بكلّ عزة وإباء..

-الحمد لله هذا واجبٌ على كلّ مسلم ومسلمة...

- إذاً ما أصابك فقد كان في سبيل الله... لذلك فإن عليك أن تصبري..

- الحمد لله أنا صابرة... ولكن قل لي يا جدي ما الذي أصابني من اليهود؟

- لقد أصابتك رصاصة مطاطية في عينك...

- إذاً ذهبت عيني؟

اشتد بكاء أمي وقالت:

- نعم يا حبيبتي.... أصيبت عينك...

قلت لها بقوة:

- في سبيل الله والأقصى كلّ شيء يهون...

قال جدي:

- أحد الصحابة الكرام... ضربه الكفار على عينه حتى سالت على وجهه، فقال كلمة عظيمة... قال: "والله إن عيني الأخرى لأشد حاجة أن يصيبها في سبيل الله ما أصاب أختها"...

فرحت بهذا الكلام فرحاً عظيماً... إن جدي يشجّعني... إذاً هوموافق على ما قمت به... يا للروعة... هكذا يتلاقى الأحفاد مع الأجداد... يتفاهمون ويتعاونون ويوصي بعضهم بعضاً على الحفاظ والدفاع عن أقصانا المبارك... العين غالية... ولا تقدّر بثمن ولكن الأقصى والقدس أغلى وأجل..

سألت:

- قل لي يا جدي... ألم يضحِّي عمي بعينية الإثنتين؟ أنا أحمد الله على أن بقيَ لي عين أرى فيها نور الحياة...

- أنا فخور بك يا إسراء ولقد حدّثني أحد الشباب عن بطولتك الرائعة... لقد شاهدك وأنت تقذفين الحجارة...

عمي العزيز:

ها أنا أختم لك هذه الرسالة وأنا في يومي الخامس عشر في المشفى.. أطمئنك على حالي... فأنا مبسوطة جداً على ما شرّفني الله به، سبقتني عيني إلى لقاء الله وسألحق بها يوماً ما... الآلام تخفّ وصحتي تتحسّن... الناس الذين زاروني وعزَّزوا معنوياتي كثيرون.. تصوّر إحدى المعلمات تبرّعت أن تزورني يومياً وتعطيني ما فاتني من الدروس... أما عن جدَّتي فهي كالحصان إنها تلازم سريري مع أمي... أيام قليلة وسأعود إلى البيت بإذن الله... أنا مطمئنة جداً ومبسوطة جداً ولا ينقصني سوى دعائك ولقائك عن قريب إن شاء الله... إن أول ما فكّرت به عند عودة صحتي، هوالكتابة لك...إني أنتظر رسالة منك على أحرّ من الجمر... أعدك بأن أكتب لك الكثير من قصص هذه الانتفاضة المباركة... عندي في المشفى عددٌ من الجرحى وكلّ واحد يحمل قصة وفي جعبته الكثير من قصص الجرحى والشهداء... سأحدثك عن بعضها في الرسالة القادمة إن شاء الله تعالى. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

ابنة أخيك / إسراء

مشفى العيون القدس"

للأعلى


2004 © جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح                 

    أصدقاء الفاتح   

 صور لأطفال فلسطين   

أخبر صديقك عن الموقع  

 مواقع للأطفال    

مشاركات الأصدقاء   

سجل الزوار     

ارسل للفاتح رسالة أو مشاركة أو اقتراحــــ

                    الأعداد السابقة 

                  لغز العدد

                   المسابقة

                 ابتسامات

                تقويم اللسان