|
وذات
يوم ، وبينما يستعدّ التلاميذ للدخول
إلى غرفة الصف قال عبود لزميل له يدعى
عمر بأنه لم يتمكّن من مذاكرة دروسه ،
ولهذا طلب منه أن يساعده في الامتحان !
لكن عمر قال بحزم :
(
أستطيع مساعدتك في مذاكرة الدروس ،
ولكني لن أفعل ذلك أثناء الامتحان ..
هذا غش يا عبود ! )
امتعض
عبود من كلام عمر ، لكنه تظاهر
بالابتسام وهو يحاول إقناعه :
(
ساعدني يا عمر ! هذه المرة فقط ، وأعدك
ألاّ ينكشف أمرنا ! )
صاح
عمر بنفاد صبر :
(
ولكن الله يرانا يا عبود ! والله لا
يرضى بالغش ! ) .
في
الجهة الأخرى كان يقف مجموعة من
التلاميذ ينظرون إلى عبود بسخرية ،
بينما يتّجه عبود إليهم ، وعيناه
تلمعان بالغيظ . قال لهم وهو يرفع
حقيبته مهددا :
(
لن أترك عمر وشأنه ! وسترون كيف سيدفع
ثمن استهتاره بي ! ) فقال له أحدهم
بسخرية :
(
إنه أقوى منك ! ولا يمكنك أن تتشاجر معه
. )
نظر
إليه عبود بغيظ ، ثم لمعت في رأسه فكرة
جعلته يضحك بخبث وهو يؤكد لهم نيّته
على الانتقام من عمر !
وبالفعل
، طلب عبود من أصدقاء له أن يشغلوا
زميلا لهم يدعى أحمد ، وألا يمكّنوه من
النزول إلى باحة المدرسة أثناء
الاستراحة ؛ وذلك لئلا يلتقي بأخويه
اللذين اعتادا على انتظاره كل يوم
ليتناولوا معا ما تعدّه لهم والدتهم من
شطائر .
وفي
هذه الأثناء ذهب عبود إلى أخوي أحمد (
وهما أكبر منه سنا ) وقال لهما مفتعلا
الضيق :
(
لن يتمكّن أحمد من القدوم إليكما اليوم
، فقد عاد منذ الصباح إلى المنزل ) .
نظر
الاثنان إلى بعضهما بدهشة ، فقال عبود
مفتعلا التأثر :
(
لقد ضربه زميل لنا يدعى عمر ! وكسر
ذراعه ! ) بصوت واحد صرخا :
(
كسر ذراعه !! ) فأكمل عبود وقد سرّه
غضبهما :
(
ربما كسرها ، فأحمد بكى كثيرا قبل أن
يستأذن بالعودة إلى المنزل .. )
صمت
قليلا ، ثم قال وهو يزمّ شفتيه :
(
لقد هدّده بكما ، لكن عمر قال بأنه
سيضربكما إن حاولتما الاقتراب منه . )
أحدهما
سأل وقد احمرّت عيناه من شدّة الغضب
:
(
أين هو ذلك الولد ؟ )
فأجاب
عبود مظهرا الاهتمام :
(
لا أنصحكما بالتشاجر معه ، فهو قوي !
وقد لا تستطيعان التغلب عليه ! )
فصاحا
معا :
(
دلّنا عليه ! ) .
وما
هي إلا لحظات ، حتى كان عبود يشير إلى
عمر من بعيد .
وبالفعل
، ما إن لاح لهما عمر حتى انقضّا عليه
معاً ، وأشبعاه ضرباً حتى سال الدم من
أنفه وفمه ، ولم تنفع محاولة التلاميذ
إبعادهما عنه ، فاستنجدوا بالمعلّمين !
كانت
لحظة قاسية ! محرجة ! تمنى كلاهما أن
تنشق الأرض وتبتلعهما عندما نظرا
حولهما فوجدا أخاهما أحمد يحاول
إبعادهما عن عمر وهو يصرخ بدهشة :
(
لماذا تضربانه ؟! لماذا تضربانه ؟! ) .
فهم
كلاهما أنهما تعرّضا لخدعة شرّيرة ،
لكن العقاب كان ينتظرهما أمام مكتب
مدير المدرسة . وصدّقني يا صغيري ، كان
كل شيء أهون عليهما من إحساسهما بالخزي
والندم عندما عـرفا حقيقة الأمـر ،
وحقيقة الظلم الذي أصابا به عمر !
ترى
.. ألا تذكّرك هذه القصة بقول الله
تعالى :
إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا أن تصيبوا
قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم
نادمين .
والآن
.. أغمض عينيك يا صغيري .. ها هي النجوم
تتلألأ من بعيــد ، وعلى نافذتك يغفو
القمر ، دع النوم يتسلل إليك ، ويسكن
عينيك ، نم يا صغيري ، نم ؛ فعين الله لا
تنام .
|