|
وقد
فرح عبد الله الطفل الصغير فرحاً
شديداً بإسلامه، وبدأ يتتبع رسول الله
صلى الله عليه وسلم أينما ذهب كظله،
يستمع إلى كل كلمة يقولها فيحفظها
ويعمل بها، وكلما رأى رسول الله صلى
الله عليه وسلم يصلي ينتظره حتى يفرغ
من صلاته، فيذهب إلى الموضع الذي صلى
فيه، فيصلي فيه، حتى أثار دهشة الصحابة
وضربوا به المثل في ذلك. وقد قالت
السيدة عائشة رضي الله عنها:
"ما
كان أحد يتتبع آثار النبي صلى الله
عليه وسلم في منازله أو مشاهده كما كان
يتتبعه ابن عمر."
اشتدّ
أذى المشركين على المسلمين، فهاجر
المسلمون إلى المدينة المنورة، ولم
يبق في مكة إلا قلة قليلة، وفي السنة
الثالثة عشرة للبعثة النبوية، قرر عمر
بن الخطاب الهجرة إلى المدينة، وأخذ
يعدّ راحلته وزوّادته. فأقبل إليه ابنه
عبد الله -ولم يتجاوز العاشرة من عمره
بعد- قائلاً:
-سأهاجر
معك يا أبتي.
تهلل
وجه عمر وضمّ ابنه إلى صدره وهو يقول:
-هيا
يا ولدي جهز نفسك للرحيل معي.
ولكن
عبد الله ظلّ واقفاً حائراً، نظر إليه
والده بدهشة وقال له:
-ما
لك يا بني؟ أرى الحيرة في عينيك.
أجاب
الفتى بلهفة:
ولكن
يا أبتي، كيف سنترك رسول الله صلى الله
عليه وسلم هنا وحده؟
نظر
إليه والده بإعجاب وقال له:
-اطمئن
يا ولدي، سيلحق بنا رسول الله صلى الله
عليه وسلم قريباً.
*
*
*
وبعد
فترة قصيرة هاجر رسول الله صلى الله
عليه وسلم إلى المدينة المنورة، وعاد
عبد الله سيرته الأولى، يتتبع رسول
الله صلى الله عليه وسلم في حلّه
وترحاله، فحفظ الكثير من
أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم
وقد أوصاه الرسول الكريم ببعض الوصايا
منها:
{أحبَّ
في الله، وأبغضْ في الله، ووالِ في
الله، وعادِ في الله...}
وبدأ
في حفظ القرآن الكريم، ولكنه كان بداية
يفهم القرآن فهماً عميقاً، ثم يقوم
بتطبيق ما حفظ، فيأتمر بما أمر به
القرآن، ويجتنب ما نهى عنه، حتى استغرق
حفظه لسورة البقرة أربع سنوات.
أخذ
رسول الله صلى الله عليه وسلم يعدّ
العدة لقتال المشركين في غزوة بدر،
لرفع راية الإسلام عالياً، فذهب عبد
الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
يستأذنه في الجهاد، نظر إليه رسول الله
صلى الله عليه وسلم نظرة حب وإعزاز
لهذا الفتى الصغير القوي، ولكنه رفض
طلبه، وردّه لصغر سنه، فهو لم يتجاوز
الثالثة عشرة من عمره.
عاد
عبد الله إلى بيته حزيناً والدموع تملأ
عينيه الجميلتين، فلحق به والده عمر
وأخذ يحضنه ويواسيه ويمنّيه أن يجاهد
في القريب العاجل، حين يكبر ويشتدّ
عوده، وعليه الآن فقط أن يحفظ القرآن
الكريم والتدريب على حمل السلاح. مسح
عبد الله دموعه، وأخذ صحيفة مكتوباً
عليها بعض من آيات القرآن الكريم يكمل
حفظها كما طلب منه والده.
جاءت
غزوة أحد بعد عام، وتأهب المسلمون
للقتال، وتأهب عبد الله أيضاً للقتال،
ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم
يأذن لعبد الله في القتال مرة أخرى
لصغر سنه.
وفي
العام الخامس من الهجرة، جاءت غزوة
الخندق، وقد تأهب المسلمون لها تأهباً
عظيماً، فقد اجتمعت أحزاب الشرك مع
المنافقين واليهود ضدّ الإسلام
والمسلمين.
ذهب
عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم للمرة الثالثة يستأذنه في
الجهاد، فلما رأى رسول الله صلى الله
عليه وسلم إصرار عبد الله، أذن له
بالرغم من أنه لم يتجاوز الخامسة عشرة
من عمره بعد.
طار
قلب عبد الله من الفرح، وركض إلى ركب
الفتية المجاهدين، ولكن الله سبحانه
وتعالى كفى المؤمنين القتال، وأرسل
ريحاً عاصفة مدمرة، مزقت صفوف
المشركين، وردّتهم على أعقابهم
مهزومين مدحورين خاسئين.
وفي
العام السابع من الهجرة، خرج رسول الله
صلى الله عليه وسلم مع جمع غفير من
صحابته إلى مكة المكرمة لأداء العمرة،
فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم
عثمان بن عفان لكي يفاوضهم، ولكن
قريشاً حجزت عندها عثمان بن عفان وهددت
وتوعدت، حينئذ ثارت ثورة المسلمين،
ودعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم
إلى البيعة فبايعوه على الجهاد في سبيل
الله، وقد سجل القرآن الكريم هذه
البيعة الشريفة التي سُمِّيَتْ ببيعة
الرضوان، فقال الله تعالى في سورة
الفتح:
لقد
رضي الله عن المؤمنين، إذ يبايعونك تحت
الشجرة، فعلم ما في قلوبهم، فأنزل
السكينة عليهم، وأثابهم فتحاً قريباً
الآية
(18).
وكان
عبد الله من السابقين لهذه البيعة
الكريمة.
وبعد
عام دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم
المسلمين إلى أداء عمرة القضاء، فكان
عبد الله في طليعة المسلمين الذين
صحبوا النبي الكريم إلى مكة المكرمة،
ولما قرر رسول الله صلى الله عليه وسلم
فتح مكة، كان عبد الله في طليعة
المجاهدين، وقد رآه النبي الكريم يركب
فرسه ويحرك رمحه ويضاعف من تدريبه، دعا
له رسول الله صلى الله عليه وسلم وأثنى
عليه خيراً.
وتمّ
فتح مكة دون قتال، ودخل الناس في دين
الله أفواجاً.
لم
يتعشَّ عبد الله وحده أبداً، بل كان
يفتش عن الضيوف ليأكلوا معه.
في
أحد الأيام اشتهى عبد الله أكل السمك،
فاشترى له خادمه سمكة كبيرة وشواها حتى
صارت لذيذة شهية، وما إن بدأ عبد الله
في أكلها حتى جاءه سائل جائع، فقدم عبد
الله السمكة إليه بنفس رضية.
ذات
مرة كان عبد الله يمشي ووراءه رجل
يسبه، وعبد الله ساكت لا يردّ عليه،
ولما وصل عبد الله إلى بيته، التفت إلى
الرجل، وقال له بهدوء:
-إني
وأخي عاصماً لا نسبّ الناس.
ولما
سأل رجل عبد الله عن مسألة فقهية طأطأ
عبد الله رأسه ولم يجبه. حتى ظن الناس
أنه لم يسمع مسألته، فقال له الرجل:
--يرحمك
الله-أما سمعت مسألتي؟
قال
عبد الله:
-بلى.
ولكنكم كأنكم ترون أن الله ليس بسائلنا
عما تسألوننا عنه، اتركنا –يرحمك الله-
حتى نتفهم في مسألتك، فإن كان لها جواب
عندنا، أخبرناك، وإن لم نجد جواباً
أعلمناك أنه لا علم لنا بها.
وكان
رجل يمشي مع عبد الله، فمرّا على
خَرِبة فقال عبد الله:
-قل
يا خّرِبة، ما فعل أهلك؟
فقال
الرجل:
-يا
خَرِبة، ما فعل أهلك؟
فقال
عبد الله:
-أكاد
أسمعها تقول: ذهبوا وبقيت
أعمالهم.
وقد
كان عبد الله في غاية النظافة والظهور
بالمظهر الحسن والرائحة الطيبة،
صوّاماً قوّاماً متواضعاً، فحين قال
له أحدهم:
-يا
ابن خير الناس.
ردّ
عليه عبد الله:
-ما
أنا بخير الناس، ولا ابن خير الناس،
ولكنني عبد من عباد الله، أرجو الله
تعالى وأخافه.
وقد
كان عبد الله على خلاف مع الحجاج،
فأرسل الحجاج إليه رجلاً معه سهم
مسموم، وضربه به، فمرض عبد الله أياماً
ثم انتقل إلى رحمة الله الواسعة راضياً
مرضياً، وابتسامة الرضا تنير وجهه
الوضّاء.
|