|
بدا
الأمر مؤلما ومملا بالنسبة لعبد الله ،
فالتوقف عن الذهاب إلى المدرسة
والتزام الفراش أمر لم يعتده ، بل
وسيجعل متابعة دروسه صعبا للغاية .
وفي
اليوم التالي ، وبينما يتذمّر محمد من
البقاء في المنزل فوجئ بقدوم زميل له
من المدرسة يدعى زيد . وكم كان سروره
عظيما وهو يستقبله ! حتى إنه كاد أن
ينهض من فراشه لولا الألم الذي شعر به
عندما حاول الحركة !

جلس
زيد مع محمد يحدّثه بأخبار المدرسة
لذلك اليوم ، ثم طلب من والدة محمد أن
تحضر حقيبة محمد المدرسية ، حيث أخرج
دفاتره ، وبدأ ينقل الدروس من دفاتره
إلى دفاتر محمد ، ثم ذاكر الدروس معه ،
وأم محمد تتابعهما وإحساس غامر
بالامتنان لزيد يملأ قلبها .
صحيح
أن زيدا لم يكن صديقا حميما لمحمد ،
لكنه في تلك اللحظة يشعر بحب غامر نحوه
، ويتمنى لو يبقى عنده فترة أطول ! كذلك
عندما
استأذن زيد للمغادرة كانت أم محمد
تشكره بحرارة شديدة ، وترجوه ألا يتوقف
عن زيارة ولدها .
وهكذا
، توالت زيارات زيد ، حتى أن محمد لم
يعد يشعر بتغيّبه عن المدرسة ، بل وكفّ
عن التذمّر ! فبفضل زيد لم يفته شيء من
الدروس .
وعندما
عاد محمد إلى المدرسة لم يتخلّى عنه
زيد ، بل كان يساعده عند انتقاله من
مكان لآخر ، ويعاونه في نسخ دروسه دون
كلل أو ملل ، فصار أقرب أصدقائه إليه ،
وأحبهم إلى قلبه !
وعرف محمد مع الوقت أن زيدا بلا
أقارب أو أصدقاء ، وأنه يعيش مع والديه
وإخوته في منزل متواضع قام والده
ببنائه بنفسه ، وكم شعر بالحزن عندما
رآه يحاول
التخلص من مياه الأمطار التي غطّت
أرضية المنزل ، في الحقيقة أن شتاء ذلك
العام فاجأ الناس بأمطاره الغزيرة !
ولم
تمض سوى بضعة أيام حتى اشتدّ تساقط
الأمطار لدرجة أنها أغرقت عددا من
المنازل الواقعة في طريق السيول ،
ولسوء الحظ ! كان منزل زيد هو أحد تلك
البيوت التي أغرقها الفيضان !

لم
يعرف والدا زيد ماذا يفعلان ، فقد وجدا
نفسيهما بلا مأوى هما وأولادهما ، مما
أثقل كاهلهما ، وجعلهما يضربان كفا بكف
أسى وحيرة !
وفي
تلك الأثناء ، أطل عليهما وجه لم
يعرفاه ، لكن زيدا عرفه جيدا .. أجل ! إنه
هو ، محمد ! ولا بد أن الرجل الذي يرافقه
هو والده .
وبطريقة
رائعة ملؤها الود عرض والد محمد عليهم
الإقامة في منزله حتى يتدبّروا أمرهم ..
كانت نظرات زيد معلّقة بمحمد الذي أمسك
بيده مشجعا ، ولم يجد كلمات يعبّر بها
عن امتنانه ، فقد أصرّ والد محمد على
استضافتهم ، وهكذا حصلوا جميعا على
مأوى ! وعرف زيد في داخله أن معروفه
الصغير أكسبه صديقا رائعا وقف إلى
جانبه في أقصى الظروف وأصعبها !
ترى
.. ألا تذكرك هذه القصة بقول الله تعالى
:
هل جزاء الإحسان إلاّ الإحسان
(60
الرحمن )
والآن
.. أغمض عينيك يا صغيري .. ها هي النجوم
تتلألأ من بعيد ، وعلى نافذتك يغفو
القمر ، دع النوم يتسلل إليك ، ويسكن
عينيك ، نم يا صغيري ، نم ؛ فعين الله لا
تنام .
|