|
في
الحقيقة أن المبلغ لم يكن كبيرا ، ولكن
أسرة عامر الفقيرة لا يمكنها توفير
مبلغ كهذا دون تخطيط مسبق ، ولهذا شعر
والده بالألم ، واحتار في أمره .
قال لعامر بحزن : ( ليتني أستطيع
توفير النقود التي تحتاج إليها ، ولكني
.. ) فقاطعه عامر باكيا : ( أنت ترفض دائما
مشاركتي في الرحلات المدرسية .. إنها
الجبال يا أبي ! الأزهار البرية ،
والسفوح الخضراء المشمسة ، أرجوك ، لا
تحرمني من مشاركة زملائي هذه المتعة ! )
صمت
والده قليلا ، ثم قال متنهدا : ( صدقني
يا عامر ، ليس الأمر سهلا كما تظن ،
ولست أتعمّد حرمانك من هذه الرحلات ،
أنا أعمل طوال النهار لأوفّر لكم حياة
كريمة ، أحاول جاهدا إسعادكم ، ولكن .. )
فصاح عامر بنفاذ صبر : ( لا تريد إعطائي
النقود ، أليس كذلك ؟ ) وابتعد بغضب نحو
المطبخ ، ولم يسمع والده وهو يقول بحزن
شديد : ( أريد يا عامر ، أريد ! ولكني لا
أستطيع . )
ولم
ير عامر دموع والده حين وصلت إليه
كلماته القاسية : ( أبي لا يحبنا ، لا
يهتم بنا ، لهذا يغيب طول النهار ، ولا
يعود حتى ننام )
تألم
الوالد كثيرا من كلمات عامر المليئة
بالاتهام ، ومن يومها وهو يغيب عن
البيت طوال النهار وفترة طويلة من
الليل ، مما جعل عامر يتأكد من صحة
ظنونه ! فهو لم يتمكن من رؤية والده منذ
ذلك الوقت .
ها
هو عامر يحاول أن ينام ، يغمض عينيه ،
ويتقلّب دون جدوى في فراشه ، يتخيّل
الجبال الخضراء وقد لفّت نفسها بعقد من
الأزهار الملونة ، ثم يستسلم للنوم
شيئا فشيئا ..
وفي
ساعة متأخرة من الليل ، عاد الوالد
فرحا رغم التعب ، وقبل أن يفعل شيئا
اتجه نحو فراش عامر بحب ، وأخذ يهزّه
برفق ليوقظه . كان عامر ينظر إلى والده
بدهشة ، بينما يكرر والده بفرح : ( يمكنك
الذهاب إلى الجبال ، ورؤية الزهور
البرية ، ها هي النقود ! ها هي النقود يا
ولدي ! ) لم يفهم عامر شيئا ، لكن الوالد
أكمل بارتياح :

(
عملت ساعات طويلة من الليل لأوفر لك
هذه النقود ، أريدك أن تعرف أني أحبك !
أحبك كثيرا ! وأني أترككم لأعمل من
أجلكم . ) بكى عامر بحرقة وهو ينظر
إلى النقود بندم ، يا إلهي ! كم كان عامر
قاسيا مع والده ! وكم كان والده رائعا
ومحبا !
وفي
الصباح ، ترك عامر النقود في مغلف صغير
كتب عليه بخط جميل ( أبي !
لم أعد بحاجة إلى هذه النقود لأعرف كم
تحبني ، أنا أيضا يا أبي أحبك ! وأعدك أن
تكون فخورا بي عندما أكبر ! )
وأنت
يا صغيري ، ألا تعتقد أن والدك يبذل
الكثير من أجل إسعادك ؟ ألم أقل لك ؟
هذا هو الحب الحقيقي ! تعال معي الآن يا
صغيري لنردد قول الله تعالى :
واخفض
لهما جناح الذل من الرحمة وقل ربي
ارحمهما كما ربياني صغيرا
(
24 الإسراء )
والآن
.. أغمض عينيك يا صغيري .. ها هي النجوم
تتلألأ من بعيد ، وعلى نافذتك يغفو
القمر ، دع النوم يتسلل إليك ، ويسكن
عينيك ، نم يا صغيري ، نم ؛ فعين الله لا
تنام .
|