|
صباحاً
وصلت جدة إسراء وأمها إلى المشفى حيث
إسراء وفراس.. أول سؤال تسأله إسراء
لجدتها هوعن أخبار انتفاضة الأقصى في
الخارج... قالت الجدة:
-
سمعت بالأمس قصة عجيبة في مشفى المقاصد...
سمع
فراس كلمة قصة فانسل من فراشه وجاء
فاتحاً أذنيه ليسمع مع إسراء القصة..
قالت الجدة:

-
انظروا إلى الأم الفلسطينية في جهادها
وصبرها... أم حامد قال لها الناس إن
ابنها حامد مصاب في المشفى.. سارعت
للاطمئنان عليه... وجدته في غرفة
العناية المركزة وقد أصيب برصاصة
اخترقت صدره واستقرت فيه... تهلّلت
أساريرها وحمدت الله عندما وجدته
يبتسم لها... شرح لها الأطباء حالة
ابنها وبإن الله قد نجّاه من الموت
وكتب له حياة جديدة... لم تصب الرصاصة
قلبه... ولم تكن من المتفجّر "الدّمدم"...
قالوا لها إن الكثير من الشباب الذين
استشهدوا أصيبوا بمثل هذا الرصاص الذي
ينفجِر في الجسم فتنتشر شظاياه لتحدث
القتل أوالشلل... عادت أدراجها إلى
البيت إلا أنها على باب المشفى لاحظت
سيارة إسعاف ينزِلون منها شاباً...
قلبها تحرّك مع هذا المصاب حركة عجيبة...
التهبت المشاعر في صدرها وأخذت تقاوم
انهمار الدموع التي أوشكت على الفيضان
من عينها... لم تستطع قدماها أن تحملاها
فجلست عند باب المشفى... بعد قليل قالوا
إن هذا المصاب قد استشهد ففاضت دموعها...
تحاملت على قدميها وزحفت كي تلقي نظرة
وداع على هذا الشهيد البطل... كانت
تقارن بين ابنها حامد المصاب وبين هذا
الشهيد وتقول (كلهم أبنائي... كلهم
أبناء فلسطين وفلذات أكبادنا)... وصلت
إلى نعش الشهيد... نظرت إلى وجهه
فصعقتها المفاجأة... أتدرون من يكون
الشهيد؟!
سألت
إسراء وفراس بلهفة:
-
من؟!!
-
إنه ابنها الثاني.. الأول مصاب يعالج من
إصابة خطيرة والثاني شهيد... أول ما رأت
ولدها جثة هامدة ارتخت مفاصلها ووقعت
على الأرض مغشياً عليها... جاءها
الأطباء يعالجونها وهم لا يعلمون
بأنها أم الشهيد... فتحت عينيها.. ألقت
نظرة ثانية على وجه ولدها الشهيد زحفت
إليه... قبّلته من وجنتيه ثم أطلقت
زغرودة..... عندئذ فهم الأطباء بأنها أم
هذا الشهيد... قالت للأطباء (عندي ولدان
شرّفني الله بشهادة أحدهما وإصابة
الآخر... والحمد لله رب العالمين... كلّ
شيء في سبيل الله يهون)...
قالت
إسراء
-
إنها امرأة عظيمة وقوية..
سأل
فراس:
-
لماذا جاء اليهود إلى ديارنا؟! ألم
يجدوا غير فلسطين؟!
هزّت
الجدة رأسها وقالت:
-
هذه قصة طويلة يا ولدي...
-
وأنا أحب القصص الطويلة...
-
اليهود يا ولدي كانوا مضطهدين
ومعذَّبين في كلّ البلاد التي كانوا
فيها.. أتدري لماذا؟!
سأل
فراس مستغرباً:
-
اليهود هذه الأيام هم الذين يعذّبون...
ها هم يقتلون الشعب الفلسطيني..
-
أتدري لماذا كانوا في السابق يعذّبهم
الناس كما كان يحصل معهم مثلاً في بلاد
أوروبا؟
صمت
فراس ولم يعرف الإجابة.. أجابت إسراء:
-
لأنهم مفسدون في الأرض... وكلما اكتشف
الناس جرائمهم قتلوهم وعذّبوهم.
قال
فراس:
-
فهمت الآن... ولكن أين هي بلاد أوروبا.....
هل هي بلاد كبيرة؟!
-
نعم يا ولدي.. أوروبا مجموعة دول كان
اليهود يقطنون فيها مع سكانها النصارى....
وقد كان اليهود يبحثون عن أرض يستوطنون
فيها.... فساعدتهم الدول الأوروبية في
هذا الأمر للخلاص منهم ومن شرّهم... وقع
اختيارهم على أرض فلسطين وقالوا عنها
إنها أرض بلا شعب...
قالت
إسراء:
-
بكل بساطة شطبوا الشعب الفلسطيني؟!!...
-
نعم يا ابنتي... قالوا عن فلسطين أرض بلا
شعب لشعب بلا أرض.... الشعب الفلسطيني
المزروع في فلسطين منذ آلاف السنين
قرروا أن يصادروا منه أرضه... أرضاً
لليهود وخلاصاً منهم... وخططوا بأن
يزرعوهم في قلب العالم العربي ليعملوا
كما يعمل السرطان في جسم الإنسان...
وعدتهم بريطانيا بفلسطين عندما كانت
مسيطرة عليها... وعرف هذا الوعد المشؤوم
بوعد بلفور سنة ألف وتسعمائة وسبع عشرة.
ومنذ ذلك الحين بدأ اليهود يهاجرون إلى
فلسطين... وكان الإنجليز يدعمونهم
بالمال والسلاح كما تفعل معهم أمريكا
اليوم...
سأل
فراس:
-
وأين كان المسلمون؟ لماذا سمحوا لهم
بدخول فلسطين؟!
-
كان المسلمون ضعفاء في ذلك الوقت ومع
هذا فإنهم قاوموا اليهود والإنجليز
مقاومة عنيفة... فمثلاً في عام 1929 أراد
اليهود بدعمٍ من الإنجليز السيطرة على
حائط البراق وهوالحائط الذي...
قالت
إسراء:
-
أنا أعرف كلّ أجزاء المسجد الأقصى فأنا
بنت القدس... حائط البراق هوالحائط
الغربي للمسجد...
سألت
الجدة:
-
ولماذا سمّي بهذا الاسم؟
أجابت
إسراء:
-
لأن الرسول "صلى الله عليه وسلم"
في رحلة الإسراء والمعراج ربط دابته
"البراق" في هذا المكان فسمّي
بحائط البراق..
تابعت
الجدة:
-
أطلق عليه اليهود حائط المبكى وأرادوا
السيطرة عليه بالقوة فثار المسلمون في
القدس وقامت قيامتهم... قامت ثورة عنيفة
قاتل فيها المسلمون اليهود والإنجليز
واستشهد من المسلمين ستمائة وواحد
وستون شهيداً وقتل من اليهود... وقام
الإنجليز بإعدام بعض المجاهدين...
واستمرت المواجهات مع اليهود على أرض
القدس وفلسطين حتى وقعت نكبة ثمانية
وأربعون وتمكّن اليهود بمساعدة
الإنجليز من السيطرة على أغلب فلسطين...
واحتلوا الجانب الغربي من القدس بعد أن
ارتكبوا المجازر الوحشية مثل مجزرة
دير ياسين... وفي سنة سبع وستين أكملوا
احتلال الجانب الشرقي من القدس ووقع
المسجد الأقصى أسيراً لديهم... وها
هولغاية الآن يئنّ حزيناً في أسره...
سأل
فراس بقوة:
-
وأين العرب؟
-
العرب تخلّوعن الجهاد في سبيل الله
فأذلهم الله باليهود... ولم يقف الأمر
عند هذا الحد ففي سنة 1969 أحرق اليهود
المسجد الأقصى ولولا هبّة أهل القدس
ونجدتهم له لما بقي منه شيء... لقد حرقوا
- لعنهم الله - منبر صلاح الدين المسمى
بمنبر النصر....
قالت
إسراء:
-
أعرف هذا المنبر الكبير، لقد صنعه صلاح
الدين في مدينة حلب في الشام حتى إذا
فتح القدس كان الهدية المناسبة للمسجد
الأقصى، وهوتحفة فنية مصنوعة من خشب
الأبنوس...
قال
فراس:
-
وحرقوه؟ حرقهم الله في جهنم...
تابعت
الجدة:
-
آمـــيــــن... آه... آه... مــاذا أقول
لكم يا أبنائي؟... استمر اليهود في
انتهاك حرمات هذا المسجد المبارك... ففي
سنة ألف وتسعمائة وتسعين ارتكبوا
مجزرة شنيعة... قتلوا وجرحوا وأسالوا
الدماء الزكية على ثراه... عشرون شهيداً
ومئات الجرحى...
سألت
إسراء:
-
مثل المجزرة التي فقدت فيها عيني قبل
أسبوعين...
-
مثلها وأشدّ منها وما بين المجزرتين
كانت مجزرة ثالثة في سنة ألف وتسعمائة
وست وتسعين... فتح اليهود على عادتهم في
الحفر والإفساد نفقاً تحت الأقصى فقام
الناس يدافعون عن أقصاهم فقُتل حوالي
ثمانون شهيداًَ وأكثر من ألف جريح...
سأل
فراس:
-
وإلى متى ستستمر هذه المجازر من قبل
هؤلاء الأشرار؟
-
إلى أن نعود إلى ديننا وإلى الجهاد في
سبيل الله فيعزّنا الله وينصرنا على
أعدائنا... ها قد بدأ الشباب يعودون إلى
دينهم وها هي الانتفاضة المباركة
تواجه ظلم اليهود وتقف في وجوههم...
قالت
إسراء:
-
عندما يقف الإيمان في وجه الكفر... فإن
الإيمان هوالذي ينتصر... هكذا أخذنا في
المدرسة... أخذنا عن معركة بدر الكبرى...
المعركة التي فرّق الله فيها بين الحق
والباطل...
سأل
فراس:
-
ولماذا لا ننتصر على اليهود... نحن
مؤمنون وهم كفار... لماذا لا ينصرنا
الله؟
وضعت
جدة إسراء راحة يدها على رأس فراس...
مسَّدته بحنان
وقالت:
-
قل يا فراس لوكان في بلدكم فارس شرير
قويّ يقطع الطريق ويعتدي على الناس...
ماذا نعمل حتى نتخلّص من هذا الفارس
الشرير؟! لوطلبنا منك أنت أن تخلّص
الناس من شره فماذا تفعل؟!
حكّ
فراس رأسه وأجاب:
-
حتى أكون فارساً يجب أن أشتري فرساً
وسيفاً...
ضحكت
إسراء وقالت:
-
لوكان هذا الفارس الشرير يحمل بندقية،
هل تحاربه بالسيف؟!
-
أشتري بندقية وأتدرّب عليها جيداً...
ويجب أن أمارس الرياضة حتى يكون لي جسد
قوي... أرى البطل في الأفلام عندما تفرغ
بندقيته من الرصاص يصرع الآخرين بقوة
عضلاته وسرعة حركاته...
-
أحسنت يا فراس.. وماذا يلزم غير القوة؟!
صمت
فراس ولم يجب... أجابت إسراء:
-
يجب أن تكون شجاعاً يا فراس والشجاعة
تحتاج إلى إيمان... وبذلك يجتمع فيك
الإيمان والقوة فتنتصر على الفارس
الشرير...
حار
فراس في هذه الكلمة... ماذا تعني أن أكون
شجاعاً؟! أفهم أن أكون قوياً أصرع
الآخرين أما هذه الكلمة فلا أدري ماذا
تعني... قرأت الجدة في وجه فراس ما يدور
في خلده وقالت:
-
أتدري ما الشجاعة يا فراس؟ أن لا يسيطر
عليك الخوف عند محاربة الأعداء تتقدّم
بكل جرأة وصلابة وقوة...
قال
فراس:
-
أنا أخاف من اليهود... إنهم يقتلون
الأطفال ويقتلعون العيون ببنادقهم
اللعينة.
قالت
إسراء:
-
هذا دليل على أنهم جبناء... الفارس
الشجاع لا يحارب الأطفال وإنما يحارب
أمثاله من الفرسان... أتخاف من اليهود
الجبناء يا فراس؟
-
لو أني أملك بندقية لما خفت منهم...
قالت
الجدة:
-
غداً ستكبر إن شاء الله وعندما تصبح
فارساً قوياً متدرّباً على السلاح
فإنك لا تخاف منهم بل هم سيخافون منك...
قالت
إسراء:
-
ولكن يا جدتي لا يكفي أن يملك بندقية..
يجب أن يملك الإيمان أيضاً...
قالت
الجدة:
-
الله يرضى عليك يا ابنتي... الإيمان
ضروري وأهم من البندقية ويجب أن يكون
قوياً في نفسه... لأن المؤمن بالله لا
يخاف أحداً غير الله وهذا يدفع إلى
التضحية والشجاعة... وعدم الخوف من
الموت... لأن الذي يموت يكون شهيداً
حياً عند الله... نعم الذي يقتل في سبيل
الله هوشهيد حي لا يموت أبداً...
قالت
إسراء:
-
إذاً الإيمان هوالذي يصنع الشجاعة في
النفس....
-
نور الله عليك يا ابنتي... اسمعوا الآن
هذا الحديث الشريف... صلّوا على رسول
الله...
-
اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله
وصحبه وسلّم...
-
قال صلى الله عليه وسلم: "المؤمن
القويّ خير، وأحب إلى الله من المؤمن
الضعيف"، فالمؤمن قويّ في إيمانه،
قوي في علاقته مع الله، لذلك فإن الله
يمدّه بعونه وقوته ويثبّت أقدامه في
المعركة وينصره على الكافرين...
قال
فراس:
-
أنا سأكون قوياً بإذن الله... بعد أن
يشفيني الله سترون ماذا سأفعل
قالت
الجدة:
-
فعلتم باليهود الأعاجيب وأنتم أطفال
فكيف إذا كبرتم وأصبحتم شباباً
ورجالاً...
-
سأبدأ بالتدريب على كلّ شيء حال خروجي
من المشفى كي أصبح فارساً مؤمناً قوياً
شجاعاً...
-
وفّقك الله يا بني...
|