|
وذات
يوم ، وبعد الانتهاء من الامتحانات
المدرسية دعتها صديقتها (مها) لزيارتها
هي وعدد من رفيقاتها في المدرسة ،
ففرحت بتلك الدعوة ، وعادت إلى البيت
مسرورة وهي تفكّر في الوقت الممتع الذي
ستقضيه في منزل (مها) الرائع ، لكنها
تذكّرت فجأة أن عليها أن ترتدي فستاناً
جميلاً يليق ببنت ثريّة !
وقفت
(نداء) وحيدة في المطبخ . وعندما دخلت
والدتها وهي تحمل بعض الأطباق وجدتها
تبكي ، فسألتها عن سبب بكائها ، فأجابت
(نداء) بحزن شديد :
(
صديقتي (مها) دعتني ورفيقاتي لزيارتها
، ووعدتنا أن تقدم لنا قطعاً من الكعك
اللذيذ ، وبعضا من الحلوى !)
ابتسمت
أمها باستغراب وقالت :
(
هذا يدعو للسرور ، لا للبكاء ! )
لكن (نداء) صاحت باستنكار :
(
كيف وأنا لا أملك ثوباً يليق بمثل هذه
الزيارة ؟ )
وضعت
والدتها الأطباق على الطاولة ، ثم قالت
وهي تضع يدها على كتف (نداء) بحب :
(
لديك الكثير من الثياب ! لماذا لا
ترتدين الفستان الذي اشتريته لك في
العيد الماضي ؟! )
نظرت
(نداء) لأمها بضيق شديد ، ثم خرجت مجهشة
بالبكاء . فتحت خزانة الثياب ، وبدأت
تخرج ثيابها منها بطريقة عصبية وهي
تكرر دون توقف :
(
هذا لا يصلح ! لا يصلح ! )
ثم
جلست على الأرض منهكة ، والثياب
متناثرة حولها بشكل مريع .
(نداء)
ليست شريرة ! وهي تحب أسرتها ، وتساعد
إخوتها في كل أمورهم ، لكنها تسعى لكسب
حب رفيقاتها ظانة أن الثراء يمكن أن
يجعل البنات يتقرّبن منها ، ويعجبن بها
، ومع الوقت .. اضطرت للكذب عليهن
ليعتقدن أنها ابنة رجل ثري ، والكذبة
جرّت الكذبة حتى وجدت نفسها غير قادرة
على التراجع .
دخلت
أمها إلى الغرفة ، ففوجئت بحالتها ،
لكنها قالت بهدوء :
(
ألم تجدي طريقة أفضل تعبّرين بها عن
رغبتك بزيارة صديقتك ؟)
شعرت
(نداء) بالخجل ، ثم رفعت رأسها معتذرة ،
لكن أمها قالت لها وهي تغادر الغرفة :
(
سأخيط لك فستاناً جديداً ، وسنرى إن
كان يعجبك !)
ثم
التفتت إليها بحزم وقالت :
(
على أن تعيدي الخزانة إلى ما كانت عليه
.)
وهكذا
، بدأت أمها بخياطة فستان جديد لها ،
وذلك بعد أن قصّت أحد فساتينها ، لتحصل
على قماش جديد تفصّل منه فستاناً
لابنتها ، وكالعادة بدأت نداء
بمساعدتها .
في
منزل (مها) كان كل شيء رائعاً ! وفساتين
البنات بألوانها الجميلة بدت
كالفراشات . وعندما دخلت (نداء)
مرتدية فستانها الذي خاطته
والدتها تحاشت النظر إلى رفيقاتها ،
فقد كانت محرجة ، وأحست أن عيونهن تقول
لها بأنها ليست سوى بنت فقيرة اضطرت
والدتها للتخلّي عن أحد فساتينها ،
لتخيط لها هذا الفستان ! لكن رفيقاتها
التففن حولها بسرعة ، وتبادلن النظر
إليها بإعجاب وهن يسألنها عن فستانها !
نظرات الدهشة والإعجاب في عيونهن
جعلتها تشعر بالثقة ، حقاً ! إنه فستان
جميل ، وهي لا تقل عن أية واحدة منهن .
سألتها
إحداهن بدهشة :
(
من أين اشتريت فستانك يا نداء ؟) .
كادت
(نداء) أن تكذب ، وتدّعي أنها اشترته من
محل فاخر ، وتختار ثمناً باهظاً له ،
لكنها تذكّرت عيني والدتها المحمرّتين
من النعاس والتعب وهي تخيطه لها ،
وتذكّرت كم مرة أصابت الإبرة إصبعها
وهي تعمل دون كلل أو ملل وابتسامة طيبة
تزيّن وجهها ، فقالت نداء بثقة :
(
أمي ! أمي هي التي خاطته لي !) .
ظنت
(نداء) أن البنات سيسخرن منها عندما
يعرفن بذلك ، لكنهن قلن بصوت واحد :
(
حقاً !)
بينما
قالت (مها) وهي تنظر إلى الفستان بإعجاب
:
(
ليت أمي تستطيع أن تخيط لي فستاناً
كهذا .) .
فوجئت
نداء باهتمامهن ، ولأول مرّة تستمتع
بالصدق وهي تتحدّث إليهن ! ها هي
تحدّثهن عن نفسها ، وعن شقاوة شقيقها
الصغير الذي رفض أن ينام حتى انتهت
والدتها من خياطة الفستان ، وكيف أنها
قامت بخياطة ذيل فستانها بنفسها ، ولم
تنس أن تقول لهن بأن والدها قام بتحضير
العشاء بنفسه رغم عودته متعباً ، وذلك
لكي تتمكن هي ووالدتها من إتمام
الفستان ! فسألت (مها) باهتمام :
(
وماذا يعمل والدك يا نداء ؟ )
انتظرت
نداء لحظة حاولت فيها أن تكون شجاعة ،
ثم قالت وهي تتذكر عيني والدها
الطيبتين :
(
في صناعة الأحذية ، أبي يعمل في صناعة
الأحذية ! )
فصاحت
(مها) بفرح :
(
كم أنت محظوظة ! أمك تخيط لك الثياب
الجميلة ، ووالدك يصنع لك أحذيتك ،
لابد أن حذاءك الجميل هذا من صنعه ! ) .
ضحكت
(نداء) ، ضحكت بدموع سخيّة ! وشكرت الله
في قلبها ، لأنها تقول الحقيقة ، ولم
تستسلم للكذب ، فقد
اكتشفت أن الثراء ليس الطريقة
الوحيدة لكسب الآخرين !
ما
رأيك يا صغيري في أن نفكر معاً بقول
الله تعالى :
قال
الله هذا يومُ ينفعُ الصادقينَ
صِدْقُهم لهم جناتٌ تجري من تحتها
الأنهار خالدين فيها أبداً رضي الله
عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم
(
119 المائدة )
والآن
.. أغمض عينيك يا صغيري ، هاهي النجوم
تتلألأ من بعيد ، وعلى نافذتك يغفو
القمر ، دع النوم يتسلل إليك ، ويسكن
عينيك ، نم يا صغيري ، نم ؛ فعين الله لا
تنام .
|