|
في
هذا اليوم وصل أستاذ فراس مع خمسة
تلاميذ من زملاء فراس في المدرسة...
جاءوا لعيادة فراس وللوقوف معه في
محنته... سلّموا ووزّعوا قبلاتهم على
وجنات فراس ثم أحاطوا سريره... سألوه عن
صحته وعن آلامه وعن موعد الخروج من
المشفى... وسألهم فراس عن كلّ شيء...
المدرسة
وأصدقاؤه وعن الانتفاضة وأخبارها...
وكانت إسراء ترقبهم وترسل نظراتها
نحوهم... تتفكّر في حال فراس وحالها...
تناجي سرّها وتهمس في أعماقها... ما
أجمل هؤلاء الأطفال.. تضيء وجوههم
براءة الطفولة... سعيدون في حياتهم...
يلعبون ويمرحون... يتعلّمون ويدرسون...
اليهود لعنهم الله، هم الذين أفسدوا
الحياة... شرّدونا من بلادنا... يافا
وحيفا واللد والرملة...

ولم
يكتفوا بذلك بل لاحقونا هنا في القرى
والمخيمات يقتلون ويسجنون... يصادرون
الأرض ويهدمون البيوت... أفسدوا كلّ شيء
حتى الشجر... الشجر المسالم الذي يرميه
الناس بالحجر فيرميهم بالثمر... جرفوا
أشجار الزيتون من أراضينا... الزيتون
عمر أرضنا منذ مئات السنين... داسوه تحت
أقدام جرافاتهم... ماذا يخبّئ المستقبل
لهؤلاء الأطفال؟! ماهو مصيرهم؟!
ماذا تنتظر أرواحهم وعيونهم؟! هل يحصل
معهم مثل ما حصل معنا؟! ما أصعب انطفاء
النور من العيون... أرى أمامي حول فراس
عيوناً جميلة تنطلق منها السعادة
والحياة... هكذا كنت قبل أن يلقوا
الظلام في عيني... ونزلت دموع إسراء...
فعاتبت نفسها... الصبر يا إسراء... ألم
تتعلّمي الصبر من عمّك الذي نزعوا منه
عينيه الإثنتين... حوّلوا حياته إلى
ظلام دامس لا نور فيها... ومع هذا فهو
صابر على ما كتب الله له... بل هو فخور
ومعتز بهذا لأنه مجاهد في سبيل الله...
يجب أن تكوني صابرة يا إسراء حتى تنالي
الأجر والثواب من عند الله....
نادى
عليها فراس:
-
تعالي يا إسراء كي أعرّفك على أستاذي
وأصدقائي... هذه إسراء ابنة القدس...
مجاهدة شجاعة... أصيبت في ساحات المسجد
الأقصى وهي تدفع عنه أذى اليهود.
سلّمت
إسراء وجلست بينهم... طلبوا منها أن
تحدثّهم قصتها فحدثتهم إياها والحياء
يملأ وجهها... قال الأستاذ بعد ذلك:
-
بارك الله فيك يا إسراء... إن الذي
فعلتيه أمر عظيم... إنك مع أطفال
الانتفاضة تعيدون للأمة مجدها
وكرامتها... إنكم تنوبون عن المسلمين
جميعاً في تطهير المقدسات من رجس
اليهود... أنتم الشرارة التي تشعل روح
الأمة وتوقظ فيها روح الجهاد... لقد
حرّكت انتفاضتكم في وجه المارد الشرير
كلّ الشعوب العربية والإسلامية... كلّ
المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها
تحرّكوا لنصرة فلسطين... في مصر وسوريا
والمغرب والعراق وإيران والباكستان...
ملايين المسلمين خرجوا إلى الشوارع
يطالبون حكامهم بالجهاد في فلسطين
لتحريرها من اليهود ...
قالت
إسراء:
-
الانتفاضة عندما تكبر وتصبح شابة
فإنها الجهاد والثورة والنصر بإذن
الله.
تابع
الأستاذ:
-
وأطفال المسلمين جميعاً معكم... هل
سمعتم بقصة الطفل المصري أحمد شعراوي...
طفل عمره اثنا عشر عاماً... تابع أخبار
الانتفاضة من أولها... شاهد على شاشة
التلفاز كيف قتل اليهود محمد الدرة في
حضن أبيه... تأثّر تأثرًا كبيراً من قمع
يهود الإجرامي للانتفاضة التي قامت من
أجل الأقصى... لم يتحمّل قلب أحمد
الصغير هذا الظلم فقرر أن يضمّ ساعده
إلى سواعد المظلومين... قرّر أن ينتصر
للمسجد الأقصى الأسير... ولكن كيف
يتسلّل إلى داخل فلسطين؟!... أحمد مجتهد
وذكي... نظر في الأطلس حيث خارطة مصر
وفلسطين تتبع خطوط المواصلات وعرف
الطريق...

في
الصباح بدل الذهاب إلى المدرسة توجّه
إلى محطة السفريات التي تؤدّي إلى
مدينة العريش... كانت عيونه ترسل
نظراتها من نافذة السيارة فترى
الأراضي الخضراء والفلاحين الذين
يكدحون ويزرعون ويعمرونها بأحسن الزرع...
يُنزل الله عليهم بركات السماء ويخرج
لهم خيرات الأرض، كان أحمد يمعن النظر
ويفكّر... ماذا لو جاء اليهود إلى هذه
الأرض الطيبة ما الذي يمنعهم؟! اليوم
يفسدون في فلسطين وغداً في مصر وهم
أعداء العرب والمسلمين... ونحن كأبناء
فلسطين وعرب ومسلمون... لو تمكّنوا منا
لفعلوا بنا ما يفعلونه في فلسطين... يجب
أن نقف مع إخوتنا في فلسطين وهذا ما
سأبدأ أنا بتطبيقه بإذن الله... وصل إلى
مدينة العريش، لم يستطع أن يجد سيارة
ليتابع سفره إلى مدينة رفح فاضطر
للمبيت في العريش... اختبأ في أحد
الشوارع الفرعية ونام بعد أن افترش
الأرض والتحف السماء... قال في نفسه: أنا
مجاهد الآن ويجب على أن أتحمّل كلّ
الشدائد، في الصباح تناول إفطاره بعد
أن اشترى رغيفاً وحبات فلافل ثم ركب
سيارة لنقل الركاب إلى رفح وكان شوقه
عظيماًَ لرؤية فلسطين فكيف به وهو
يجاهد على أرض فلسطين...
السيارة تسير مسرعة على أرض
صحراوية مستوية... تعلو قليلاً ثم تهبط
فينخفض قلبه بشدة ويتجاوب مع خفقات
حنينه لأطفال الانتفاضة... أخيراً وصل
إلى محبوبته مدينة رفح... تقع مدينة رفح
على الحدود الفلسطينية تماماً... نصف
المدينة تابع لمصر والنصف الآخر تابع
لفلسطين وبينهما حدود تحت السيطرة
اليهودية فيمنعون سكان المدينة على
جانبي الحدود اللعينة من الاتصال
بعضهم البعض... أخذ ينظر ويترقّب... كيف
يتجاوز هذه الأسلاك اللعينة... كانت
شائكة وعالية ومحكمة... حاول تسلّقها
ولكن جيش الإجرام اليهودي رآه... فصوّب
عليه رشاشاته القاتلة... تراجع أحمد ثم
اختبأ خلف جدار هناك وأخذ يقذف عليهم
الحجارة. رآه الناس فأشفقوا عليه...
أخذوه من تحت رشاشاتهم الثقيلة... عرفوا
من لهجته وكلامه بأنه ليس من سكان رفح...
سألوه فأجابهم بصدق... هم يعرفون بأن
تجاوز هذه الحدود أمر محفوف بالمخاطر
لمن يعرفها حقّ المعرفة فكيف بطفلٍ لا
يعرف عنها شيئاً... إذاً هو الموت لا
محالة... الموت ينتظر طفلاً بريئاً طاهر
القلب وجنود الإجرام لا يعرفون
لإجرامهم حدوداً... لا يعرفون طفولة ولا
براءة... لذلك قرّروا أن يسلّموه إلى
مخفر الشرطة المصرية كي تعيده إلى أهله
وتجنّبه الموت المحقّق... رجاهم أن
يتركوه وشأنه، قال لهم:
-
أنا أريد الشهادة في سبيل الله فما لكم
تمنعونني؟ الشهيد لا يموت إنه حيّ يرزق
عند ربه... ألا تريدون لي الحياة عند
الله؟!!...
قالوا
له:
-
ستسبّب الحزن والألم لأمك ولأهلك...
-
أعلم أن أمي سيطول حزنها عليّ ولكني
أنا لست أفضل من شهداء الأقصى ولا هي
أفضل من أمهات الشهداء... أرجوكم
اتركوني أُعبّر عن تضامن أطفال مصر مع
أطفال فلسطين...
لم
يتركوه إلا في مخفر الشرطة... سأله
الضباط:
-
ماذا تستطيع أن تفعل وأنت طفل صغير؟
-
يكفيني أن أضمّ ساعدي إلى سواعد أطفال
فلسطين وأرجم اليهود بالحجارة إنهم
إبليس... يجب على جميع المسلمين رجمه
بكلّ ما أوتوا من قوة...

ابتسم
له الضابط بعد أن وسّع صدره بنفس عميق
وقال:
-
قل لي... ألم تأخذ في المدرسة بأن هناك
جيشاً لمصر وهو الذي يقوم بمهمات قتال
الأعداء؟!
-
أعلم هذا... ولكن جيشنا منذ حرب رمضان لم
يحارب اليهود.. أي منذ ما يقرب من
ثلاثين سنة...
-
ألا تعلم بأن بيننا وبينهم اتفاقية
سلام أوقفت الحرب...
-
ولكنهم يحاربوننا في فلسطين... ألا
يعتبر الفلسطينيون جزءاً منا... أخذنا
في ديننا أن المسلمين جسد واحد إذا
اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد
بالسهر والحمى...
غضب
الضابط وقال:
-
اسمع أنت صغير على هذه الأمور...
الحكومة هي التي تقرّر الحرب والسلام...
عندما تقرّر الحرب فبإمكانك الانضمام
للجيش ثم تأتي لتحارب اليهود بعد أن
تتدرب على السلاح...
قام
أحمد من مقعده غاضباًً وقال بصوتٍ حازم:
-
لا وقت لديّ.. أطفال فلسطين يموتون هناك...
سأتسلّل إليهم حالاً... جيوشكم لو أرادت
الحرب لجهّزت نفسها منذ زمن بعيد...
قبض
الضابط على معصم الطفل وقال غاضباً:
-
أتحسب أننا ندعك وشأنك... تحسب الأمور
فوضى لكلّ شارد ووارد... كلامي معك كان
للتسلية... أما الآن فعليك أن تربط
لسانك في فمك حتى ننهي إجراءاتنا معك...
صاح
أحمد:
-
هذا مستحيل... هذا...
-
إخرس وإلا أشبعتك ضرباً... لم أرَ ولداً
يملك لساناً مثل لسانك... لسانك أطول
منك... خذوه عن وجهي... ضعوه في النظارة
حتى ننتهي من هذه القصة السّخيفة...
غضب
فراس وقال:
-
أيستحق أحمد هذا العقاب؟! يعاقبه بدل
أن يشجّعه !!
وقالت
إسراء:
-
الحكومات العربية تمنع شعوبها من
الجهاد والوصول إلى فلسطين...
-
ولكن أريد أن أبشّركم... أحمد حظي
بالتشجيع الكبير، كلّ الشعب المصري
عرف بقصته... الصحافة كتبت عنه وجاءه
التأييد والتشجيع من كلّ مكان وأحمد
بقي يفكّر... كيف يخدم الأقصى وأطفال
الانتفاضة...
تعاهد
مع طلاب مدرسته على مقاطعة البضائع
الأمريكية لأن أمريكا تقف مع اليهود
ثم
راح يجمع التبرعات لانتفاضة
الفلسطينيين...
أحمد
وكلّ أطفال مصر وكلّ أطفال المسلمين هم
أمل المستقبل...
على
أيديهم بإذن الله ستتحطّم دولة اليهود
اللعينة...
أمّة
فيها مثل أحمد وفراس وإسراء لن تموت
وستنتصر بإذن الله...
|