|

غضب
حويصة من أخيه الصغير، لأنه أهان ضيفه
الأثير لديه، بينما ضحك اليهودي ضحكة
استهزاء، وهو يقول:
-ما
زلت شاباً صغيراً، وقد لعب محمد بعقلك
الصغير وسيخزيه الله.
قال
محيصة بثقة عجيبة:
-بل
سيخزيك الله أنت وكل من على شاكلتك.
ثم
قام محيصة مغاضباً، وخرج إلى المسجد
النبوي ليصلي خلف رسول الله صلى الله
عليه وسلم، فرأى المسلمين فرحين
مهللين مكبّرين، ففرح محيصة لفرحهم،
ودنا من أحدهم يستوضح منه الأمر، فعلم
أن كعب بن الأشرف الذي آذى الله ورسوله
والمؤمنين قد قتله المسلمون. وقد ذُعر
اليهود لمقتله، ورغب رسول الله صلى
الله عليه وسلم أن يستأصل شوكتهم لما
يبيّتون من حقد دفين على الإسلام
والمسلمين، فقال عليه السلام:
-من
ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه.
سمع
محيصة كلام رسول الله صلى الله عليه
وسلم وهو بمثابة الأمر لديه، فأقسم أن
يقتل اليهودي ابن سُنيْنة.
أخذ
محيصة يترصد ابن سنينة كل ليلة، وفي
ليلة شديدة الظلمة، رآه قادماً إلى بيت
أخيه حويصة، فانقضّ محيصة على اليهودي
وطعنه طعنة نجلاء، خرّ صريعاً على
أثرها.
ذعر
اليهود لمقتل تاجرهم الكبير، وخاصة
أنه قُتل أمام بيت صاحبه، وبيد أخي
صاحبه محيصة، فذهبوا إلى حويصة
يعاتبونه ويذكّرونه بأفضال ابن سنينة
عليه وعلى أهل يثرب، وأنه غدر به وهو
صاحبه المحبّ له.
غضب
حويصة غضباً شديداً وقام إلى أخيه يبحث
عنه، ولما رآه انفجر في وجهه معنّفاً
موبّخاً، وأخذ يضربه بكل ما أوتي من
قوة، فقال محيصة والدم يسيل من فمه:
-اعلم
يا حويصة، والله لقد أمرني بقتله من لو
أمرني بقتلك لضربت عنقك.
بُهت
حويصة لكلام أخيه الصغير العزيز لديه،
وعاد إلى الوراء قليلاً، وأخذ ينظف
أذنه كي يتأكد مما سمع، فكرر محيصة
مقالته بقوة وإصرار:
-نعم
أقتلك طاعة لرسول الله صلى الله عليه
وسلم.
وخرج
محيصة مخلّفاً وراءه أخاه يضرب كفاً
بكف، ويكرر ما قاله له أخوه بدهشة،
ولما ذهب لينام، أخذ يتقلب في فراشه
كالملدوغ، يفكر في هذا الدين العجيب
الذي يأخذ بلبّ صاحبه ولا يحيد عنه،
ولو كلفه ذلك حياته.
وما
إن أصبح الصباح حتى ركض حويصة إلى أخيه
يوقظه بعنف، وهو يقول:
-أتقتلني
يا أخي الصغير؟ ألم أربّك وليداً،
وحملتُ همّك شاباً، والآن تفضّل عليّ
صاحبك محمداً؟ أيّ سحر هذا يمتاز به
محمد!
نظر
محيصة إلى أخيه مليّاً، ودعا في سرّه
أن يهدي الله أخاه الحبيب إلى الإسلام،
ثم أخذ يعرض عليه الإسلام ذلك الدين
القيّم، ويبشره بجنات عرضها السماوات
والأرض، وينذره بجهنم وأهوالها،
ويدعوه إلى تحكيم عقله حتى يرى نور
الله.
خرج
حويصة من عند أخيه وهو يفكّر في هذا
الأمر، ثم أخذ يتصفّح وجوه المسلمين،
فرآها مستنيرة مضيئة بنور الله مطمئنة
صادقة أمينة شجاعة قوية في إيمانها، لا
يتزحزحون عن دينهم مهما كانت المغريات
أو المعوّقات، فقال في نفسه:
-والله
إن هذا الدين حقّ، ويجب أن أدخل فيه.
أشرق
نور الله في قلبه بعد أيام، فأسرع إلى
المسجد النبوي ليقابل محمداً صلى الله
عليه وسلم، ويأخذ بيده الشريفة
ويعاهده أن يكون مسلماً كما أراده.
فرح
محيصة بإسلام أخيه فرحاً عظيماً،
وأخذه بأحضانه يبارك له إسلامه،
ويبشره أنه الآن كيوم ولدته أمه، ليس
عليه من آثام الماضي شيء، وسارا معاً
في طريق الخير والجهاد والدعوة إلى
الله.
|