|
(
عندما تنهض في الصباح الباكر
تَنَفَّسْ بعمق ، وانظر حولك لترى
العالم من حولك جميلاً وملوناً ، الأرض
! الأشياء ! السماء ! كل شيء يحمل لونه
الذي يميّزه عن غيره . )
هذا
ما قاله خال عصام عندما أحضر له علبة
الألوان الموضوعة على الطاولة هناك .
وهذه هي الكلمات التي كان سعد يقولها
لنفسه وهو ينظر إلى تلك العلبة الرائعة
والمهملة على الطاولة !
سعد
هذا ولد فقير ، يعمل على العناية
بحديقة منزل عصام ، وهو ذكي ونشيط ، يحب
أن يمد يد العون للجميع ، مما جعل والد
عصام يحبه كولده ، ويعامله بلطف شديد ،
فقد كان يدعوه لتناول الطعام معهم من
وقت لآخر ، وكذلك ساعده في تعلّم
القراءة والكتابة بعد أن مكّنه من
الالتحاق بالمدرسة .
عصام
أيضاً ولد طيب ، وهو يحب الألوان كسعد ،
لكنه لم يكن يتقن الرسم مثله ! وقد حاول
مراراً أن يرسم أشكالاً مختلفة دون
جدوى ، فقد كان يفشل في ذلك ، وتظهر
رسوماته بصورة سيئة .
أمسك
عصام بإحدى هذه الرسومات ، ثم قال
لنفسه بملل :
(
إن أبي على حق ، يمكنني الاستمتاع
بتلوين الأشياء ! لكن الرسم بحاجة إلى
موهبة ، تماماً كسعد ! ) .
عصام
لا يتقن الرسم ، ولديه علبة ألوان
رائعة ! وسعد رسّام موهوب لكنه فقير ،
ولا يستطيع شراء علبة ألوان كالتي مع
عصام ، لذلك كان سعد يطيل النظر إلى تلك
العلبة الموضوعة على الطاولة بإهمال ،
وكم مرة مسح الغبار عنها ، لتبقى جميلة
ونظيفة ! كانت علبة رائعة ، وكان حزيناً
لأن عصاماً لا يستخدمها .
وبينما
كان عصام يذاكر دروسه وقعت عيناه على
سعد وهو يتأمل علبة الألوان بحسرة ،
فقال لنفسه مفكراً :
(
مسكين سعد ! يرغب بالحصول على علبة
مثلها ! )
ثم
تنهّد بيأس :
(
سعد يحب الرسم ويتقنه ، أنا أيضاً أحب
الرسم ، ولكني لا أتقنه ! ) .
عاد
إلى مذاكرة دروسه ، لكنه التفت إلى سعد
متأملاً ، كان الفقر بادياً على ثيابه
التي حاولت أمه أن تبقي عليها أطول
فترة ممكنة ، فالتعب يا صغيري شيء يمكن
للإنسان أن يكتشفه في عيون الفقراء .
تنقّل
عصام بعينيه بين سعد وعلبة الألوان ،
ثم قال لنفسه بحزم :
(
حتى وإن لم أستخدم علبة الألوان ، علي
أن أحتفظ بها من أجل خالي ! )
وفي
المساء ، اجتمعت العائلة على مائدة
العشاء .. كان عصام جائعاً جداً ! لذلك
بدأ يسكب لنفسه كميّة كبيرة من الطعام .
نظر إليه والده مستغرباً ، ثم سأله :
(
لماذا لا تسكب لنفسك الكمية التي
تستطيع أن تأكلها ؟ )
فأجابه
عصام وهو يسكب لنفسه المزيد :
(
أستطيع يا أبي أن آكل أكثر من هذا ،
فأنا جائع جداً ! )
تركه
والده يسكب الطعام كما يشاء ، ثم قال له
محذراً :
(
سنرى إن كنت تستطيع ذلك يا عصام أم لا ! )
.
وهكذا
بدأ عصام بالتهام الطعام بشهيّة كبيرة
، وبسرعة لم يتوقّعها بدأ يشعر بالشبع
وصحنه ما زال ممتلئاً بالطعام ! نظر إلى
والده بخجل ، لكن والده قال له بحزم :
(
أنت من سكب هذا الطعام ، وعليك أن تأكله
كله . )
فحاول
عصام أن يستمر في الأكل ، لكن الطعام في
صحنه كثير ، ولم يعد قادراً على أكل
المزيد : فقال لوالده برجاء :
(
أرجوك يا أبي ! لا أستطيع أكل المزيد ! )
فقال
والده وهو يشير إلى الطعام داخل صحنه :
(
لقد حجزت هذا الطعام في صحنك يا عصام ،
حرمت الآخرين منه ولم تأكله ! ) .
قال
عصام بخجل :
(
ولكني لم أقصد ذلك يا أبي ! )
فقال
له والده مؤكداً :
(
في المرّة القادمة اسكب في صحنك الكمية
التي يمكنك أكلها ، ولا تكن جشعاً يا
بني ! ) .
ظل
عصام يفكر في كلمات والده وهو يتقلّب
في فراشه دون أن يأتيه النوم ، فقال
لنفسه بدهشة :
(
إننا نحجز الكثير من الأشياء التي نحرم
الآخرين من الحصول عليها ، رغم أننا لا
نستعملها ولا نستفيد من وجودها بين
أيدينا ، نهض من فراشه وفتح خزانته
بهدوء ، ثم أخرج منها معطفه الشتوي ،
نظر إليه ملياً ، ثم تفقّده باهتمام
وهو يقول لنفسه :
(
هذا المعطف لم يعد يناسبني ، وقد اشترت
لي أمي معطفاً جديداً ، فلماذا أحجز
هذا المعطف في خزانتي ، وهناك من يحتاج
لمثل هذا المعطف ، ويمكنه أن يرتديه ؟!
ترى ! لمن أعطي هذا المعطف ؟! )
وفجأة
تذكّر سعداً ، فابتسم برضا :
(
أجل ! أعطيه لسعد ، وسيناسبه تماماً ! ) .
كان
عصام يمسك بالمعطف حين أتاه النوم على
ظهر غمامة بيضاء لفتّه بقطنها الناعم
فاستسلم له حتى الصباح .
وفي
اليوم التالي ، نهض عصام من فراشه
نشيطاً ، حمل معطفه وانطلق إلى الحديقة
، وبينما هو يركض علقت علبة الألوان
الموضوعة على حافة الطاولة بأحد أكمام
المعطف ، فضحك عصام وهو يقول لعلبة
الألوان :
(
وأنت أيضاً يمكنني الاستغناء عنك ! ) .
دمعت
عينا سعد وهو يتناول المعطف وعلبة
الألوان من عصام ، وتلاحقت على شفتيه
كلمات الشكر ! إنه يشعر بالامتنان ،
يتمنى لو أنه يملك شيئاً يمنحه لعصام !
وأخيراً ، اقترح عليه أن يعلّمه الرسم
، ولم يمض سوى وقت قصير حتى كانا يمضيان
معاً أوقاتاً رائعة في الرسم والتلوين
، وكلاهما يشعر بالدفء بمعطفه الجميل .
ما
رأيك يا صغيري في أن نفكر معا بقول الله
تعالى :
وَيَسْأَلُونَكَ
مَاذَا يُنفِقُونَ ؟ قُلِ الْعَفْوَ .
كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ
الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُون
(219
البقرة )
والآن
.. أغمض عينيك يا صغيري .. ها هي النجوم
تتلألأ من بعيد ، وعلى نافذتك يغفو
القمر ، دع النوم يتسلل إليك ، ويسكن
عينيك ، نم يا صغيري ، نم ؛ فعين الله لا
تنام .
|