|
أما
جرح النفس فقد كان عميقاً، تصبّر نفسها
بكلّ ما أوتيت من إيمان حتى تستوعب
رؤية وجهها الجميل وهو بعين واحدة،
جدَّتها وأمها وكلّ الأصدقاء الذين
يزورونها يرفعون من درجة إيمانها وقوة
ثباتها... ولكن النفس أحياناً تضعف...
تفكّر في مستقبلها وقدرتها على متابعة
الدراسة التي تعشقها وتحبُّها حباً
جمّاً...
هل
تستطيع الوصول إلى النجاح الذي كانت
مصمّمة على تحقيقه وهي بعين واحدة مع
ألم قد زرع مكان العين الثانية؟!
يقولون أن كلّ ذي عاهة جبار… إذاً
فالتَّحدي وقوَّة الإرادة تعوِّض عما
يفقده الإنسان خاصة إذا كانت نابعة من
الإيمان بالرحمـن، رحمتك يا رب وعفوك
ورضاك. أما فراس فقد كانت آلام عينيه
شديدة، تعاظم التهابها واشتدت ضرباتها
المؤلمة، أصبح منظرها مخيفاً ووقف
الأطباء في حيرة من أمرهم... اشتدَّ
صياح فراس وتواصل أنينه... لم تنفع معه
الأدوية التي تسكِّن الآلام وكان لا
بدّ من إجراء عملية جراحية إلا أن
الالتهابات تمنعهم... أخيراً تقرّر
إرسال مجموعة من الأطفال الذين أصيبوا
في عيونهم إلى السعودية للعلاج هناك....
كان الهدف هو العلاج وكذلك إبراز الوجه
البشع للإجرام لليهودي في فلسطين....
أخبرت
الحكيمة حنان فراس بخبر سفره إلى
السعودية... فرح لهذا الخبر ولكنَّه قال:
-
لن أتزحزح من هنا حتى أسمع بقية القصة…
-
أية قصة يا فراس؟!
-
قصة زرقاء اليمامة … قلتِ لنا إن
الحكيم رشاد قد مات بعد عدة سنوات وقد
تغيّرت الأحوال على زرقاء اليمامة
وقومها..
ضحكت
الحكيمة حنان وإسراء.... هزّت رأسها
وقالت:
-
لم أجد أحداً يحب القصص مثلك يا فراس..
قالت
إسراء:
-
أنا أتوقع بعد موت الشيخ رشاد نهاية
مأساوية... إذا غابت الحكمة ضاع النَّصر
ووقعت الهزيمة..
قال
فراس:
-
هذه كلمات صعبة يا إسراء... لا تعقِّدي
الأمور... أريد أن أعرف قصة زرقاء
اليمامة حتى النهاية..
-
قلت لكم بعد عدة سنوات مات رشاد....
وبقيت عيون زرقاء اليمامة ساهرة على
حراسة قومها... كلما رأت خطراً يهدِّد
قومها أخبرتهم به قبل وصوله... وكان
الناس في ذلك الزمان يعيشون الجاهلية
عمياء... أما عن الذين هزمهم فرسان
زرقاء اليمامة شرّ هزيمة فقد راحوا
يفكّرون في الحيلة، كيف ينتصرون على
قوم زرقاء اليمامة وهم يقظون منتبهون؟!
كيف يباغتونهم بهجومٍ مفاجئ وعيون
زرقاء اليمامة تراهم من بعد وهي لهم
بالمرصاد؟! أشار عليهم أحد الفرسان
الأذكياء... قال لهم:
-
أرى أن تغطّوا أجسادكم بأغصان الشجر
الخضراء..
سأل
قائدهم متعجباً:
-
ألا ترانا إذا فعلنا ذلك؟
-
سوف ترانا وستخبر قومها بما رأت...
ستقول لهم إنها ترى أشجاراً تمشي على
الأرض... لن يصدّقوها... من يصدّق بأن
الأشجار تمشي؟!! سيضحكون عليها.. وإذا
وصلنا مضاربهم نخلَع عن أجسادنا أغصان
الشجر ثم نضرب ضربة رجل واحد..
أعجبت
الفكرة القائد وسُرَّ بها فرسانه ثم
قرّروا تنفيذها في اليوم التالي. وأنا
غداً سأكمل لكم القصة إن شاء الله.
قبض
فراس على يدها وقال:
-
لن أدعك حتى تكملي القصة....
وقبضت
إسراء على اليد الأخرى وقالت:
-
وأنا كذلك... غداً قد يسافر فراس إلى
السعودية..
-
حسناً... أعدكم أن أكمِّلها لكم بعد أن
أوزّع الدواء على المرضى... بعد قليل
أعود لكم.
قال
فراس:
-
وعد الحرّ دَين.
ردت
حنان:
-
نعم وعد الحرّ دَين.
-
تركوها تذهب على مضض..
قال
فراس:
-
هل تتوقّعين أن تنجح الخطة؟
-
نعم... لأن صاحب الحكمة والعقل الرشيد
لم يعدْ موجوداً مع زرقاء اليمامة، لن
يصدّقوها إذا أخبرتهم بأن هناك
أشجاراً تمشي.
-
ولماذا لا يصدّقونها؟ هل كذبت عليهم في
يومٍ من الأيام؟
-
لا لم تكذب.
-
الناس يصدّقُون الذي لا يكذب..
-
هذا عين الصواب …
قال
فراس:
-
لذلك فأنا أتوقّع منهم أن يصدّقوها
بكلّ ما تقول لهم..
-
حسناً... ها قد عادت الحكيمة سنرى
الجواب الشافي عندها..
جلست
الحكيمة بين فراس وإسراء.... وضعت يديها
على كتفيهما وقبل أن تتكلم، قال فراس:
-
أرجوك... أدخلي في القصة مباشرة..
-
حاضر... في اليوم التالي تحرّكت الأشجار
باتجاه قبيلة زرقاء اليمامة. كانت
الأشجار تمشي وتمشي؟ … إنها خطة
الفارس الذكي … غطّى الفرسان أجسادهم
بأغصان الشجر فأصبحوا أشجاراً تمشي
على الأرض … وعندما اقتربوا من مضارب
القبيلة المطلوبة كانت عيون زرقاء
اليمامة لهم بالمرصاد، كانت أول من
رآهم …. ولكن ماذا رأت؟! استغربت
الأمر، أرجعت البصر مرة أخرى ثم بكلّ
صدق وأمانة وصفت لقومها المشهد الذي
تراه، قالت:
-
أرى أشجاراً تمشي... إنها تسير وتقترب
من مضاربنا.
كان
الفجر قد استبان... الشمس تستعدّ لإرسال
أشعتها.... الصحراء ورمالها الذهبية
تستعد لاستقبال نهار جديد.. وكان
الهدوء والصمت هو سيّد الموقف إلا من
تحذيرات زرقاء اليمامة.
-
أهلي وخلاَّني... إني أحذّركم.... أرى
أشجاراً تمشي نحونا... إن في الأمر
لسراً عجيباً... إني أراها كما أراكم...
صاح
أحد الرجال بأعلى صوته:
-
لقد جنَّت زرقاء اليمامة... هل تصدِّقون
بأن الشّجر يمشي؟!!
وانقسم
الناس... قسم مصدِّق وآخر مكذِّب... وكان
سيد القوم شاب خفيف العقل.... طائش
ومتسرِّع.... وقف أمام الناس وقال:
-
أرى أن زرقاء اليمامة قد فقدت عقلها...
لم نسمع ولم نرَ شجرة تمشي في يومٍ من
الأيام... عودي إلى أمّك يا زرقاء
اليمامة ولا تحشري أنفك في أعمال
الرجال.. تذَّكرت زرقاء اليمامة رشاد...
وترحّمت عليه.. انسحبت إلى خيمتها وهي
خائفة وحزينة على قومها بالخطر
المحدقّّ بهم.
كان
رجال القبيلة في غفلة من أمرهم... فجأة
وجدوا أنفسهم وقد اقتحم مضاربهم فرسان
أشداء سيوفهم تلمع وتضرب بقوّة كلّ من
يقف أمامها...

حاول الرجال المقاومة
ولكن المهاجمين كانوا أسرع حركة وأكثر
استعداداً للمعركة... سرعان ما انقشع
غبار المعركة عن هزيمة ساحقة... قتِل من
قتل من الرجال وولّى الباقون الأدبار
هاربين من ديارهم تاركينها للغزاة
ووقعت الديار في قبضة الاحتلال... سلبوا
أموال الناس وأملاكهم وأخذوا النساء
سبايا لهم.. وقعت زرقاء اليمامة في
الأسر.. وبكلّ بشاعة وإجرام سلَّ
الغزاة عيون زرقاء اليمامة لأنها كانت
السبب في هزيمتهم المرة الأولى... هكذا
فعلوا بها كما يفعل اليهود بكم هذه
الأيام ولكن الظلم لا يدوم والحرب
سجال، يومٌ لك ويوم عليك.
في
اليوم التالي سافر فراس... أما إسراء
فرفضت بشدة السفر إلى السعودية أوأية
دولة أخرى لأن شفاءها أصبح قريباً
ولأنها لا تقدِر على فراق القدس مهما
كانت الأسباب... إسراء تشعر بأن روحها
جزء لا يتجزّأ من روح القدس والأقصى
المبارك.. لا يمكن لها أن تذهب بعيداً
عن القدس إلى إذا فصلوا روحها عن جسدها...
الحالة الوحيدة التي تجعلها تسافر
بعيداً هي أن تصعد روحها إلى بارئها
فتسكن هناك في أعلى عليّين.. فإما القدس
فردوس الأرض أو غرف الجنة في فردوس
السماء...
|