|
-
إني لأعجب كيف ترتدين هذا الزي نفسه كل
يوم من غير أن تضجري؟!
فتجيبها
"سعاد":
-
الملابس ليست زيّاً فحسب، بل هي ستر
أولاً وأخيراً!
فتسألها
"بان" بدهشة: "وما تعنين بذلك؟"
فتقول
سعاد: أعني أن ملابس ترضي الله وترضي
خيار الناس هي خير من الملابس التي
تُغضب الله ولا ترضي إلا قلة من الناس!
فتردد
"بان" مع نفسها كأنها لم تسمع حوار
صديقتها:
"الملابس
أزياء جديدة، تتغير حسب أوقات النهار،
وحسب الفصول، ومع السنين، ولا شيء غير
هذا!
*
* *
وذات
يوم كانت الفتاتان عائدتين إلى البيت
من المدرسة، وكانت "بان" ترتدي
ملابس قصيرة ضيقة محشورة فيها حشراً،
وبجانبها تسير "سعاد" وقد ارتدت
ملابسها الاعتيادية الوقورة
المحتشمة، وكان الغرور يدير رأس "بان"
كلما رأت بعض العيون تنظر إليها وإلى
زيّها نظرات إعجاب، أو دهشة أو استغراب
أو حتى استنكار، فهي تحسب كل هذا
إعجاباً عميقاً بها! فالمهم لديها أن
تكون محط أنظار الآخرين، وفيما هي كذلك
إذ مرّ فتى يقود دراجة هوائية بطيش
بالغ، وكانت الفتاتان تعبران الشارع،
وفي أثناء ذلك وفي لحظة خاطفة ارتطمت
الدراجة المنطلقة بسرعة هوجاء بـ "بان"
فوقعت على الأرض في الحال. فالتفتت كل
العيون إليها، ولكنها لم تستطع النهوض
من فورها، إذ كانت الصدمة قد آذتها
تماماً وأذهلتها، وفي لحظات شعرت "بان"
بأن ملابسها لم تعد تسترها كما ينبغي،
ورأت العيون التي لا تخاف الله تتطلع
نحوها بفضول لا يرضاه الله. فتمنت في
تلك اللحظة لو أن الأرض تبتلعها، من
الخجل والحياء، ولكن في لحظة خاطفة
أخرى شعرت "بان" كأن خيمة واسعة
هبطت عليها من الأعالي وغطّت جسمها كله
وسترته تماماً، فأحست بالاطمئنان
والسلام يغمران نفسها وهي تحس بالستر
يحوطها كلها، ونسيت الألم الشديد الذي
سببته لها صدمة دراجة الفتى الطائش..
وحين استعادت صفاء ذهنها، انتبهت
إليها فرأتها تجلس جاثية بجانبها،
فصاحت "بان" بألم وسعادة معاً:
-
أهذه أنت يا "سعاد" يا عزيزتي، أنت
التي غطّيتني وسترتني عن أعين الناس،
فلقد تخيلت كأن خيمة هبطت من السماء
عليّ وغطتني!.
قالت
"سعاد": نعم يا أختاه، فالستر واجب
عليّ ليس لي وحدي بل واجب علينا أن نستر
الآخرين أيضاً، فالرسول يقول: الله
ستير يحب الستر، ولكن كيف تشعرين الآن؟
قالت
"بان" وكأنها نسيت ألمها لحظة،
والدهشة تتردد في عينيها وهي لا تزال
غير قادرة على القيام:
"ولكن
من أين لك هذا الرداء الذي يغطيني؟!"
ردّت
سعاد: إنني أُغطيك بجانب من ردائي فهو
واسع جداً، وأنت صغيرة الجسم!
كانت
هناك مشاعر متناقضة تتجاذب نفس "بان"،
فقد شعرت بأنها كانت على خطأ جسيم في
ارتدائها تلك الثياب القصيرة، وشعرت
أيضاً أن صديقتها "سعاد" كانت على
صواب تام وخلق رفيع وهي تسترها بتلك
الطريقة الحنون، وكانت تريد أن تقول
لسعاد: "وكم أنت على صواب! وكم كنتُ
أنا على خطأ!" لكنها شعرت كأن الألم
يمنعها من النطق والقيام معاً،
فتمالكت نفسها وأعانتها سعاد حتى نهضت
وهي ملتفة بجانب من رداء صديقتها
الواسع، وكانت إصابتها هيّنة يسيرة..
وعند
الرصيف أوقفت "بان" سيارة أجرة
فاستقلتاها معاً، وبعد أن سارت بهما
مسافة قالت "بان" للسائق:
"قف
بنا أمام محل الخياطة ذاك".
ثم
نزلتا ودخلتا في المحل معاً، وهناك
أشارت "بان" إلى رداء صديقتها "سعاد"
وقالت للخيّاطة:
"أريدك
يا سيدتي أن تخيطي لي ثوبين اثنين مثل
هذا!"
اتّسعت
عينا الخياطة وهي تنظر إلى زي سعاد
القصير الغريب، ولم تستطع أن تدرك سبب
طلبها العجيب! أما "سعاد" فقد
أدركت كل شيء..
ثم
عادت الفتاتان إلى بيتهما وقبل أن
تفترقا همست "بان" في أذن صديقتها:
-
لولاكِ، لبقيتُ ضالة زمناً طويلاً آخر!.
|