|
"بسم
الله الرحمن الرحيم
الحمد
لله على كل حال والصلاة والسلام على
الحبيب محمد وعلى آله وصحبه وبعد:
عزيزتي
الغالية / إسراء..
سأترك
لقلبي الذي يمتلئ فخراً وغبطة بك
للتعبير عن بعض ما يشعر به اتجاه روح
حياتي إسراء... لقد قرأت رسالتك وسمعت
منها أخبارك... وبقدر ما حزِنت على ما
أصابك فرحت بوقفتك البطولية الشجاعة،
لقد رأيت فيك ربيعاً زاهراً يتحف
الوجود بجماله الرائع وعطائه العظيم،
إن تضحيتك ليست مجرّد حجر يلقى في وجه
عدّوظالم فحسب وإنما هي عمل عظيم....
إنها الحق في وجه الباطل... الخير في وجه
الشرّ العدل في وجه الظلم.... الهداية في
وجه الضلال.... الإيمان في وجه الكفر..
إنك يا إسراء مع أطفال الانتفاضة المطر
الذي ينزل من السماء كي يغسل كلَّ
أوساخ الأرض... أنتم بشرى المستقبل
القريب... المستقبل الذي سنغسل فيه
أرضنا المقدسة من رجس اليهود.....
حبيبة
قلبي / إسراء:
قبل
أن أحدّثك عن القصة التي تحمِل بشرى
المستقبل أريد منك أن تكوني مثل عمّك
صابرة قوية عزيزة.... أنا متأكّد بأنك
كذلك لأنني أعرف جيداً من هي إسراء،
إسراء ابنة القدس وتتنفّس من هواء
الأقصى المبارك فكيف تكون؟ إسراء ابنة
عائلة مجاهدة ضحَّت بالغالي والنفيس
في سبيل الله دفاعاً عن فلسطين، لا
تنسي عمك يا إسراء … قدَّمت عينيَّ
حبيبتيَّ وقدّمت زهرة شبابي في ظلمات
السجون … وأنت تعلمين أنَّ ذلك لم
يضعفني قيد أنملة … لقد بقيت بفضل الله
عليَّ صامداً قوياً شامخاً في وجه
أعداء الله، كوني يا إسراء مثل النخلة
الباسقة مهما ضربتها الرياح والعواصف
إلا أن أصلها ثابت في الأرض وفرعها
صاعد في السماء , تصرُّ على أن تهب
الناس أحسن الثمر وأحلاه..
روح
فؤادي / إسراء:
أما
عن قصة البشرى فقد بدأت هذه القصة
العظيمة عندما عاد رسول الله صلى الله
عليه وسلم من الطائف... هذه المدينة
التي قصدها الرسول صلى الله عليه وسلم
كي يدعوها إلى الإسلام ويخرِجها من
الظلمات إلى النور...
لم يستجيبوا للدعوة فقذفوا رسول الله
صلى الله عليه وسلم بالحجارة... أدموا
قدميه الشريفتين وأخرجوه من ديارهم
بكلّ الفظاظة والقسوة التي كانت تملأ
قلوبهم الجاحدة … عاد رسول الله صلى
عليه وسلم إلى مكة حزيناً من إعراض
قومه وراضياً بما كتب الله له.
فقال:
"اللهم إن لم يكن بك غضب عليّ فلا
أبالي".. هكذا يكون المؤمن يا إسراء،
مهما أصابه في هذه الحياة إن لم يُغضب
الله فلا يبالي … المهم أن نحقّق رضى
الله، هذه وحدها أعظم من كلّ شيء وتهون
بعدها كلّ مصائب الدنيا.
أراد
الله سبحانه وتعالى أن يكرِم رسول الله
على صبره ورضاه فكانت رحلة الإسراء
والمعراج … جاءه جبريل عليه السلام في
ليلة السابع والعشرين من رجب ومعه
دابَّة اسمها البراق،
إنها من صنع الله، أسرع من البرق،
خطوتها على مدّ بصرها. ركب رسول الله
صلى الله عليه وسلم البراق وسار مع
جبريل إلى بيت المقدس … وفي المسجد
الأقصى المبارك كان الأنبياء ينتظرون
رسول الله فأمّهم رسول الله في الصلاة
… دين الله واحد وكلّ الأنبياء
والمرسلين جاءوا من عند الله بهذا
الدين. فإمامة رسول الله صلى الله عليه
وسلم بالأنبياء تعني أن المسلمين هم
الورثة لدين الله الواحد وهم الورثة
للأماكن المقدسة والأرض المباركة التي
أمّها الأنبياء على مرَّ التاريخ..
لذلك كان الإسراء والمعراج وإمامة
الرسول بالأنبياء عليهم السلام بشرى
للمسلمين بأن القدس وفلسطين ستكون لهم
إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. كانت
الرحلة العظيمة من مكة حيث المسجد
الحرام وقبلة المسلمين إلى المسجد
الأقصى ومن المسجد الأقصى إلى
السماوات العلا. هذه الرسالة واضحة
فهمها الصحابة رضوان الله عليهم بشكلٍ
جيد … لماذا لم تكن الرحلة من مكة إلى
السماوات العلا، مباشرة... إن مرور رسول
الله في القدس في هذه الرحلة العظيمة
بشرى للمسلمين بأنها ستكون لهم وقد
خلَّد الله هذه الرحلة وهذا الربط بين
المسجدين في القرآن الكريم في سورة
الإسراء (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً
من المسجد
الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا
حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع
البصير)...
وقد
قصَّ الله علينا في مقدمة سورة الإسراء
قصة الإفساد والعلو الكبير لبني
إسرائيل على هذه الأرض المباركة، ومع
القصة تكون البشرى...
أخبرنا
الله تعالى بعد الآية التي ربطت بين
المسجد الأقصى والمسجد الحرام بأن
اليهود سيفسِدون في الأرض مرتين...
سيكون الإفساد كبيراً ويصاحب هذا
الإفساد علو كبير في الأرض … لقد احتل
اليهود هذه الأرض المباركة قبل ميلاد
سيدنا عيسى عليه السلام بحوالي سبعة
قرون … دمّروا البلاد وقتلوا العباد
وأهلكوا الحرث النسل …

لقد
طغوا في بلاد فلسطين طغياناً كبيراً...
أقاموا دولة الإجرام كما أقاموها هذه
الأيام، وكلما أفسد اليهود على مرّ
الأيام بعث الله عليهم من يسومهم سوء
العذاب … هذه هي سنة الله التي لا
تتبدل مهما طال الزمان... وصلت أخبار
فسادهم إلى القائد البابلي "نبوخذ
نصَّر" فجاءهم بجيش جرَّار فدّمر
دولتهم وأعمل فيهم السيوف والحراب …
قتلهم شرَّ قتله ثم سبى ما تبقّى منهم
من الرجال والنساء وعاد بهم إلى بلاد
العراق … لقد أخبرنا الله تعالى بهذه
الواقعة... ((فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا
عليهم عباداً لنا أولي بأس شديد فجاسوا
خلال الديار وكان وعداً مفعولاً))
ودارت الأيام وإذا بهم في غفلة من
الزمان يتسلَّلون هذه الأيام من جديد
إلى هذه الديار... قبل حوالي مائة عام
قرّروا الاستيطان في أرض فلسطين
وقالوا إن لهم أمجاداً تاريخية ودينية
في فلسطين والحقيقة أنهم كانوا يريدون
التجمّع في أيِّ أرض بعيداً عن اضطهاد
الشعوب العربية الأخرى لهم... أما إذا
سألتِ يا إسراء لماذا يضطهدهم الناس
فالجواب معروف... لأن من طبعهم الإفساد،
الدولة الوحيدة التي أنصفتهم ولم
تظلمهم هي دولة الإسلام، فقد عاشوا في
ديارنا رعايا آمنين مطمئنِّين طيلة
أربعة عشر قرناً من الزمان، توجَّهت
قيادتهم إلى السلطان العثماني عبد
الحميد لإغرائه بالمال مقابل السماح
لهم بالهجرة إلى فلسطين إلا أنه رفض
رفضاً قاطعاً رغم ضائقة الدولة
المالية في ذلك الزمان، قال لهم
السلطان: "فلسطين أرض وقف إسلامي
روّتها دماء الصحابة الصالحين وليس
لأحد الحق في التصرّف بذرة من ترابها"..
ولكنَّ الاستعمار استطاع احتلال
وتقسيم بلاد المسلمين بعد انتصاره على
الدولة العثمانية فأصبحت فلسطين تحت
الانتداب البريطاني... استطاع اليهود
أن يأخذوا من الإنجليز وعد "بلفور"
المشؤوم والذي يعدهم بأرض فلسطين، بعد
ذلك دعمهم الاحتلال الإنجليزي وسهّل
لهم الهجرة إلى فلسطين... واستمر
الاستيطان على قدمٍ وساق حتى إذا
تمكنًَّوا في الأرض قاموا بإعلان
دولتهم على غالبية أرض فلسطين سنة
ثمانٍ وأربعين وقد حدّثتك جدتك عن
الأحداث المأساوية في تلك الأيام وعن
نكبة فلسطين وأصبحت القدس كاملة
بأيديهم وبما فيها المسجد الأقصى
المبارك.
أميرتي
الغالية:
هذا
العلو والفساد الكبير الذي بلغ أوجه
للمرة الثانية لبني إسرائيل على أرضنا
أخبرنا به القرآن الكريم بكلّ دقة
ووضوح... أخبرنا الله تعالى في سورة
الإسراء بأن اليهود ستُردُّ لهم
الكرَّة علينا وسيأتيهم المدد بالمال
والرجال وسيكونون أكثر منّا نفيراً
للحرب وهذا ما كان بالفعل منذ حرب
ثمانٍ وأربعين ولغاية هذه الأيام...
بريطانيا وأمريكا أمدّتهم بالمال أما
مدد الرجال فقد جاءهم من خلال هجراتهم
من كلّ أنحاء العالم إلى فلسطين وهنا
البشرى التي يبشّرنا بها رب العزة.. ((وليدخلوا
المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبّروا ما
علو تتبيراً))... القرآن يبشّرنا بأننا
سندخل المسجد الأقصى وسنطهّره من دنس
اليهود، سندمّر دولة الإفساد التي
أقاموها على أرض فلسطين... وهنا يأتي
هذا السؤال... كيف نحقّق هذه البشرى؟
تتحقّق عندما نتعامل معها كما تعامل
معها عمر بن الخطاب رضي الله عنه... لقد
فهم عمر والصحابة رضوان الله عنهم هذه
البشرى القرآنية فهماً جيداً... تماماً
كما فهموا حادثة الإسراء والمعراج
التي ربطت بين المسجد الحرام والمسجد
الأقصى.... فهموا بأن المسجد الأقصى
والأرض المباركة حولها يجب أن تعلوها
راية الحق والتوحيد... أرض الأنبياء يجب
أن تكون بأيدي ورثة الأنبياء
الشرعيين، أصحاب القرآن الذي جمع بين
دفتيه كلّ الكتب السماوية السابقة...
ولم يَكتفوا بهذا الفهم لهذه البشرى
العظيمة وإنما بذلوا كلّ ما بوسعهم من
أجل تحقيقها... انطلقت جيوش الفتح
الإسلامي بكلّ قوة وشجاعة نحو القدس...
ضربت عليها الحصار... وأحاطتها إحاطة
السوار للمعصم... ويأبى البطريك "صفرونيوس"
بطريك القدس إلا أن يسلّم مفاتيح القدس
لخليفة المسلمين عمر "رضي الله عنه"...
أراد أن يرى عمر فيتأكّد من وصفه الذي
كان مكتوباً عندهم في كتبهم القديمة...

وصل
عمر رضي الله عنه إلى القدس وتسلّم
مفاتيحها بعد أن كتب الأمان لأهلها في
وثيقة ما زال المسلمون والنصارى في هذه
البلاد يحترمونها ويفتخرون بها لغاية
هذه الأيام... سُمّيت هذه الوثيقة "بالعهدة
العمرية" وقد اشترط فيها النصارى
بأن لا يدخل اليهود القدس ووافق
المسلمون على هذا الشرط حماية للقدس من
فساد اليهود... وهكذا فتح المسلمون
القدس بالسلم دون إراقة قطرة دمٍ واحدة
وقد استقبل سكانها المسلمين استقبالاً
حافلاً... زار الخليفة الراشد عمر رضي
الله عنه كنيسة القيامة وأثناء وجوده
داخل الكنيسة أذّن المؤذن وحان ميعاد
الصلاة فرحَّب بطاركة الكنيسة بصلاة
عمر عندهم إلا أنه رضي الله عنه رفض ذلك
كي لا يأتي المسلمون فيما بعد وينازعوا
النصارى في كنيستهم بحجة أن عمر صلىّ
فيها... فما كان منه إلا أن صلّى بجوار
الكنيسة فبنى المسلمون في ذلك المكان
مسجداً سمّوه مسجد عمر... ثم انتقل عمر
إلى المسجد الأقصى فوجد أن الرومان قد
ألقوا فيه قمامتهم... فأخذ عمر يرفع
القمامة ويلقي بها بعيداً... اقتدى به
قادة الجند وكافة المسلمين حتى إذا
طهّروه من دنس الرومان قام عمر رضي
الله عنه يصلّي في الناس.... أتتوقعين
ماذا قرأ في الناس يا إسراء؟ لقد قرأ في
الناس البشرى القرآنية في فتح القدس...
إنها سورة الإسراء...
عزيزتي
الغالية / إسراء...
لقد
قصصت لك باختصارٍ شديد قصة أقدس
مقدّساتنا كي تتأكدي بأن الحفاظ عليها
وردّ اعتداءات اليهود عنها تتطلّب
منّا كلّ التضحيات... إياك أن تندمي أو
تحزني على ما أصابك لأن ما أصابك لم يكن
إلا في سبيل الله ودفاعاً عن أقدس
مقدساتنا... إننا لا نندم ولا نحزن إلا
على تقصيرنا وقلة تضحياتنا... الأقصى
نفديه بأرواحنا ونرويه بدمائنا
فهنيئاً لك عزيزتي إسراء.... لك أن ترفعي
رأسك وأن تعتزّي بما أصابك وأن تشكري
الله على أن كتب لعينك أن تسيل في سبيله
قولي "اللهم إن لم يكن بك غضب عليَّ
فلا أبالي".
أميرتي
الغالية إسراء..
لقد
أطلت عليك في هذه الرسالة وإني والله
لأودّ أن أبقى معك دوماً... قريباً
سنلتقي إن شاء الله خارج هذه السجون
فقد أسَرت المقاومة الإسلامية في
لبنان ثلاثة جنود صهاينة مما يفتح
الباب على صفقة تبادل أسرى يكون لنا
نصيب فيها إن شاء الله.
سأحدّثك
عن قصة أسر هؤلاء الجنود في الرسالة
القادمة إن شاء الله.. الآن قبل أن أختم
رسالتي هذه أرجو منك أن تكتبي لي عن
أخبار انتفاضة الأقصى أوّلاً بأول...
أنا أنتظر رسائلك على أحرّ من الجمر
خاصة بعد انقطاع الزيارة...
أستودعك
الله الذي لا تضيع ودائعه..
والسلام
عليكم ورحمة الله وبركاته
عمّك
المحب لك:
عز
الدين"
|