|
عمر
ولد فقير ، يحلم ككل الصغار بالعيد ،
بملابس جديدة ! وبحلوى لذيذة ! لكن
والده رجل فقير ، لا يستطيع أن يوفّر له
ثمن الأحلام الجميلة ، مما يضطره إلى
العمل في العيد ، بدل تناول الحلوى ..
يبيعها للأولاد الذين يملكون النقود ،
ولا يجرؤ حتى على تذوّقها ، لأنه بحاجة
إلى كل قرش يحصل عليه من بيعها ، فإخوته
صغار ، وهم بحاجة إلى هذه النقود ، ثم
إن كثرة الاحتياجات وقلة النقود أرهقت
أمه ، وأحزنت والده المريض ! لكن عمر
قرر أن يعيش العيد ككل الصغار هذه
المرّة ، فظل يعمل طوال العام ، ويوفّر
القليل القليل من النقود بين الوقت
والآخر حتى استطاع أن يجمع مبلغا من
المال يستطيع أن يشتري به قميصاً
جديداً ، وقطعة كبيرة من الحلوى كالتي
يأكلها الأولاد في العيد .
حمل
عمر نقوده ليلة العيد وقدمها إلى أمه ،
فلم تتمالك نفسها من شدّة الدهشة ،
وشهقت شهقة كبيرة جعلت إخوته يلتفتون
إليها بفزع ! سألته أمه مستفسرة :
(
من أين هذه النقود ؟! )
فأجابها
عمر بخجل :
(
لقد عملت على توفيرها طوال هذا العام
يا أمي ، إنها من حقي ! أليس كذلك ؟
أريدك أن تشتري لي بها قميصاً أزرق
بأكمام قصيرة ، وأريده أن يكون جميلاً
، جميلاً جداً ! )
نظرت
إليه أمه بحزن ، فأكمل ضاحكاً :
(
لا تقلقي يا أمي ! حتى وإن ارتديت
القميص الجديد سأبيع الحلوى من أجلكم .
)
أومأت
برأسها موافقة ، وذراعاها تضمّانه إلى
صدرها بحنو .
خرج
عمر إلى السوق ، الشوارع تعجّ بالناس !
والبهجة على كل الوجوه . ملابس الناس
مختلفة الألوان والشكل ، حتى وجوههم !
وأجسامهم ! ذلك طويل ، وتلك قصيرة ، هذا
بدين ، وذاك نحيل . بعضهم يشتري من بائع
الملابس ، وآخر يشتري من بائع اللحوم ،
أما بائع الحلوى فهو الأكثر نشاطا في
السوق .
جلس
عمر على الرصيف ، وبدأ يتأمّل الناس في
الشارع ، فرأى آباءً وأمهات يصطحبون
أبناءهم أثناء التسوّق ، وكانوا سعداء
! عمر أيضاً كان سعيداً وهو يتخيّل نفسه
مرتدياً قميصه الجديد ..
حدّق
في وجوه الأولاد ملياً ، ثم قال لنفسه
بدهشة :
(
ترى لماذا يشترون ملابس جديدة وثيابهم
التي يرتدونها رائعة وجديدة ؟! حقاً !
ليت أمي تشتري لي قميصاً كالذي يرتديه
ذلك الولد ! ) .
نظر
حوله بفرح ، فوجد ولداً يحمل بعض
الفواكه ، كان لون التفاح في يده يخطف
نظرات عمر ، أما الأجاص فجعله يعود
بذاكرته إلى البيت ، حيث وقف شقيقه
سمير ينظر إلى ولد يأكل الأجاص في
الشارع ، ما زال يذكر كيف كان يبعد عيني
أخيه عن الولد ، فيعود أخوه وينظر إلى
الأجاص باستغراب !
دمعت
عينا عمر وهو يفكّر بأمه المسكينة ،
وإخوته الذين لا يرون الحلوى أو
الفواكه إلا بأيدي الناس !
فكّر
عمر قليلاً ، ثم عاد إلى البيت مسرعاً .
أخذ النقود من أمه واشترى بها حلوى
وفواكه لإخوته الصغار .
إنه
العيد !! لأول مرّة يشعر إخوته بالعيد !
حلوى ، وفواكه ! إنها أشياء أخرى يمكن
أكلها غير الخبز !
ضحكات
الصغار كانت تملأ البيت بالفرح وهم
يتناولون الحلوى بينما الأم تنظر إلى
عمر بحزن وهو يقول ضاحكاً :
(
كنت سأبدو مضحكا بقميصي الجديد مع هذا
البنطال المرقّع ! )
ترى
.. ألا تذكّرك هذه القصة يا صغيري بقول
الله تعالى :
.. وَيُؤْثِرُونَ
عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ
بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ
نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
الْمُفْلِحُون
(
الحشر ـ الآية 9)
والآن
.. أغمض عينيك يا صغيري .. ها هي النجوم
تتلألأ من بعيد ، وعلى نافذتك يغفو
القمر
دع
النوم يتسلل إليك ، ويسكن عينيك
نم
يا صغيري ، نم ؛ فعين الله لا تنام .
|