|
-
صبراًً أمَّ حامد، إن الله هو الرزاق
ذو القوة المتين.
قالت
الأم: أنعمْ به وأكرمْ،
ولكن لا بد... لا بد الآن من..
وأدرك
الأب أنها لن تستطيع أن تتم حديثها؛
لأنها تعرف أنه لا يرضى بذكر ذلك الشيء
الذي خَمَّنَ أنها تعنيه، فقال وكأنه
أوذي في نفسه أيّما إيذاء:
-
أجلْ يا أمَّ حامد، تعنين لا بدَّ من
الذي لا أرضاه أبداً، وما فعلته من
قبلُ قطُّ، لا بدَّ من الاستدانة الآن؟!..
وقطع
حديثه وأنفاسه تتصاعد. وكأنه يشعر
بالعجز حتى من ذكر موضوع الاستدانة من
الآخرين. فتمتم مع نفسه: لا بد مما لا بد
منه، لا بدَّ من ذاك الذي لا أرضاه،
همٌّ في الليل وذلٌّ في النهار.. ولكن
ماذا أفعل؟ حسبي الله.. سأذهب الآن و.."
قالت
كأنها غير مصدقة: "إلى أين ستذهب يا
أبا حامد؟"
قال:
لأستدين!
وكان
أبو حامد يعرف إلى أين يذهب، وفعلاً
كانت قدماه تقودانه إلى صاحبه الوفي
جعفر، وحين وصل إليه لقي منه استقبالاً
ودوداً وبشاشة، ثم أعطاه المبلغ الذي
طلبه، وكأنه –جعفر-
من فرط سعادته هو الذي أُعطي ذلك المال!
فشكره أبو حامد، وعاد إلى بيته على عجل
ونفسه تتلاوم معه. ولكنه حمد الله على
كل حال، وحثَّ خطاه إلى بيته، وهو
يمنّي نفسه بأن يجلب لعياله ما
يحتاجونه من زاد ومتاع وأمور أخرى.
وفي
البيت كانت أمُّ حامد تنتظر وقلبها
يخفق بالقلق والخوف من الخيبة، ومرت
ساعة طويلة جداً كأنها نهار.. وأخيراً
وصل أبو حامد إلى البيت، فهبّت زوجته
لاستقباله وعيناها ترسمان سؤالاً
واحداً قرأه فيهما أبو حامد في الحال،
سألته:
-
ها يا أبا حامد، هل استدنت من صديقك
الكريم جعفر؟
قال:
نعم يا أم حامد!
قالت:
هيا، أعطني النقود فحاجاتنا الآن لا
تحتمل التأخير ساعة واحدة، برغم صبرنا
عليها شهوراً طويلة.
قال
أبو حامد والحياء يصبغ وجهه: ولكن ليس
معي النقود!
ذهلت
الأم: وكيف؟ كيف ليس معك النقود، أين
صارت، وماذا فعلت بها؟ هل ضيّعتها أم
نسيتها في مكان ما، في بيت جعفر مثلاً؟!
قال:
لا، بل داينتُها كلها!
وطاف
الأسى على وجه أم حامد فقالت:
-
داينتها كلها؟! سبحان الله، كيف تستدين
ثم تداين، أهذا معقول أيها الزوج
الطيب؟ ولكن كيف؟..
تمالك
أبو حامد نفسه وقال بكلمات تفيض رضاً
وحناناً:
-
نعمْ، ففي طريق عودتي من بيت صديقي
جعفر وأنا أحمل النقود، لقيني صديقي
عبد الرحمن وأخبرني أنه جاءني
مستعجلاً ليستدين مني مبلغاً من
المال، وأنه لم يجد غيري مَن يرجو
العون منه!
فسألته
أم حامد: ثم أعطيته النقود؟
-
نعمْ، قلتُ له إن كل ما تريده هو في
جيبي، وهو كل ما أملك من نقود، فخذها
واقض بها حاجتك.
فأخذ
النقود وهو يشكر الله ويدعو لي
بالتوفيق والبركة!.
بدت
أم حامد حائرة قلقة، بعد أن فقدت آخر
رجاء لديها، ثم سألت زوجها:
-
ولكن كيف؟ إنني محتارة، ولا أكاد أصدق!
وأشرق
الفرح في وجه أبي حامد فقال وهو يبتسم:
-
بل صدّقي ولا تحتاري، فأنا ترددت بادئ
الأمر في إعطاء النقود لعبد الرحمن،
لكنني حين رأيت لهفته وحرجه تذكرت قول
الله سبحانه: (ويؤثرون على أنفسهم ولو
كان بهم خصاصة) وفي الحال آثرتُ الرجل
على نفسي، وأعطيته النقود كلها.
ولم
ير أبو حامد وجه زوجته يجمع الجمال
والسعادة معاً مثلما رآه في تلك
اللحظة، وهي تقول له متهللة مستبشرة:
-
الحمد لله، ما أسعدني بزوج مثلك يا أبا
حامد، نِعْمَ ما فعلتَ، فقد أرضيتَ ربك
وطمأنتَ صديقك.. والله خير الرازقين.
..........................
(1)
سورة الحشر من الآية (9).
خصاصة: فقر واحتياج.
|