|
"إنني
أحزن حقاً لفراق أي صديق ولا أريد أن
يزعل. ومع ذلك فأنْ تتركني بسبب تمسكي
بالحق خيرٌ لي من أن أكون صديقك على
باطل!.
وفي
الحال أسرع تامر مبتعداً عن خالد،
وتركه وحيداً، بعد أن أسمعه كلمات
قاسية لا يصبر عليها إلا حليم.
ومرت
الأيام وتامر لا يكلم خالداً ولا ينظر
إليه، برغم ما أبداه خالد من مودة
إزاءه في أحيان كثيرة.
*
* *
هكذا
كان تامر تلميذاً كثير الخصام
والمشاكسة؛ وبرغم أنه لا يضمر الشر
لأحد، إلا أن سرعة غضبه ولجاجته جعلته
يصطدم بكثيرين من أصدقائه. وكان الجميع
ينظرون إليه على أنه تلميذ يحب أن يصنع
المشاكل! وحتى المدرسون عرفوا هذه
الصفة فيه. أما هو فكان يظن سلوكه
تفرداً يميزه عن أصحابه!!.
وفي
إحدى المرات ارتفع صوت تامر بالصياح في
ساحة المدرسة، ثم كان هناك عراك وضرب.
وكان خالد واقفاً ينظر، ومن عجيب طالعه
فإنه كان الوحيد الذي شهد ذلك العراك
الذي نشب بين تامر وتلميذ آخر، هو زيد
ابن عم خالد نفسه!!.
وبعد
دقائق كان تامر يجلس في الصف وآثار
الشجار بادية على وجهه وملابسه معاً!
أما التلميذ الآخر "زيد" فقد أسرع
إلى مدير المدرسة وشكا "تامر"
إليه وهو يقول:
-
"أستاذ إن تامر يرفض المثول أمامك
برغم كل شيء!!".
غضب
المدير وأسرع إلى الصف في الحال، حيث
كان يجلس تامر بين بقية التلاميذ.
قال
المدير:
"تامر!
اسمع، نحن كلنا –وأنت أيضاً- نعرف أنك
مصدر إزعاج في المدرسة، ولكنني لن
أعاقبك حتى أعرف الحقيقة تماماً. والآن
إذا كنت على حق، فأريد منك أن تسمي لي
ولو تلميذاً واحداً يشهد بأنك لم تعتد
على زيد!".
التزم
جميع الطلاب الصمت وبدت عيونهم تومض
بالحيرة. فمن ذا يشهد لتامر وهو
المعروف بعراكه وشراسته! وأدار تامر
عيونه متفحصاً الجميع واليأس يتملك
نفسه. ثم ابتسم فجأة ولاح على وجهه
الفرح وأشار بيده بثقة نحو خالد وقال:
"خالد،
نعمْ خالد، يا أستاذ هو الذي سيشهد
بأنني لم أكن المعتدي هذه المرة! لأنه
الوحيد الذي رأى كل شيء عند الشجار!".
ترددت
أصوات التلاميذ:
"خالد!
خالد؟! أخالد يشهد لتامر، وهو خصم له..
وضدَّ مَنْ؟ ضدَّ زيد ابن عمه!؟".
نظر
المدير بهدوء إلى خالد وقال:
"يا
خالد، أنا أعرف أن "تامر" قد شاجرك
وخاصمك قبل مدة، فماذا تقول الآن؟".
ألقى
خالد نظرة على تامر، ثم نظر إلى زيد
وقال على عجل:
"لا
يا أستاذ، لم يكن تامر معتدياً هذه
المرة، فزيد هو الذي تحرش به وآذاه
أولاً!".
ضجَّ
الجميع بالعجب والاستغراب. ثم صمتوا
فجأة، حين سمعوا المدير يسأل "تامراً".
"ولكن!
ما الذي دعاك لاختيار خالد كي يشهد لك
وأنت متخاصم معه؟!".
قال
تامر مبتسماً:
"لأنني
كنت واثقاً بأنه لا يقول إلا الحق حتى
ولو على نفسه! نعم يا أستاذ، فقد جربته
منذ زمن، فسبب خصامي معه هو أنه لم
يجاملني على حساب الحق أبداً!".
فالتفت
المدير إلى خالد وقال له بفرح:
"ما
أنبل خلقك، إنني أفخر بك يا ولدي!،
ولكنْ لماذا شهدت ضد زيد وهو ابن عمك؟".
قال
خالد بخجل:
"لأنه
كان هو المعتدي فعلاً. ولو شهدت له
لكانت شهادتي زوراً، وقد نهانا الله عن
ذلك بقوله ..
واجتنبوا قول الزور. ".
سورة
الحج من الآية (30)
وفي
لحظة مفاجئة أقبل زيد على تامر واعتذر
منه، فصفق التلاميذ لهما فرحاً! ووسط
تصفيق التلاميذ، سُمِعَ صوت أحدهم
يقول:
"هذه
هي المرة الأولى التي نرى فيها "تامراً"
على حق في خصومته!".
فرد
تامر مبتهجاً:
"وسأكون
مع الحق دائماً، ما دام عندي صديق مثل
خالد!".
ثم
أقبل نحوه وصافحه واعتذر منه.
فقال المدير سعيداً كأنه
يحدث نفسه هذه المرة:
"ما
أجمل أن يفترق الناس بالحق ثم عليه
يلتقون!".
|