|
دخلت
عزيزة إلى غرفة الصف بعد أن انتهت ليلى
من تنظيفها ، وكعادتها مزّقت بعض
الأوراق ، ثم ألقتها على الأرض دون أن
تهتم بوجود ليلى ، شعرت ليلى بضيق شديد
، لكنها لم ترغب بإثارة مشكلة معها ،
فآثرت تجاهلها .. كثيراً ما كان صمت
ليلى يثير غضب عزيزة لدرجة الصراخ ،
فتواجهها ضحكات رفيقاتها وسخريتهن .
وفي
ذات يوم ، قامت المدرسة بتنظيم رحلة
إلى الجبال ، وبينما تساعد ليلى
معلمتها بإعداد قائمة بأسماء
المشاركات في الرحلة ، اكتفت عزيزة
بمراقبة ليلى باستخفاف واحتقار . .
الغيرة شعور يؤذي صاحبه !
في
الجبال تناثرت أزهار شقائق النعمان
هنا وهناك راسمة على الأرض لوحة أسعد
البنات جمالها .. الشمس مشرقة بدفئها ،
والصخور تكاد تتحدّث من شدّة فرحتها
بقدوم الأطفال .

شقائق
النعمان
شاهدت
ليلى من بعيد طفلاً يرعى بعض الأغنام ،
كان يجلس على الأرض متعباً ، بجانبه
ناي جميل وصرّة يحمل فيها بعض الطعام .
نظرت
ليلى حولها متأمّلة جمال الجبال
المكسوّة بالعشب على امتداد بصرها ، ثم
عادت لتنظر لذلك الراعي الذي فتح
الصرّة التي يحملها وبدأ يتناول
الطعام ( بعض الخبز ، وشيء من الجبن ) .
التفتت
إلى رفيقاتها فوجدتهن يتناولن الحلوى
، اتجهت إليهن ، أخذت حصّتها ، وانطلقت
نحو الراعي الصغير وقدّمتها له ، نظر
الراعي إليها بدهشة ، تردد قليلاً ، ثم
أخذ منها الحلوى شاكراً ، فعادت مسرورة
إلى رفيقاتها ، وشعور بالرضا يغمرها ،
لأنها أحسنت لذلك الراعي الصغير .
وبينما
تلعب ليلى مع رفيقاتها اقترب الراعي
بأغنامه منهن ، وقدّم الناي الجميل
الذي كان يعزف عليه هديّة لها ، فرحت
ليلى بهديّته ، وقررت الاحتفاظ بها ،
وبسرعة تجمّعت رفيقاتها لرؤية الناي
الذي أثار اهتمامهن جميعاً ، مما جعل
عزيزة تستشيط غضباً !
طلبت
عزيزة من ليلى أن تريها الناي ، وما إن
أمسكت به حتى أفلتته متعمّدة من يدها ،
فسقط على الأرض ، وانزلق باتجاه الوادي
!
نظرت
ليلى إلى الوادي بتأثر شديد ( بدا الناي
بعيداً جداً ) فنظرت إلى عزيزة بعينين
باكيتين ، بينما تقول عزيزة ببرود :
(
لم أقصد ذلك ) ثم التفتت إلى الوادي
لتنظر إلى الناي بتشفٍّ !
ما
هذا ؟! يا إلهي ! إن
رجل عزيزة تنزلق ! صرخة حادة جعلت
البنات يلتفتن إلى الوادي بفزع وهن
يرددن :
(
عزيزة وقعت ، عزيزة وقعت في الوادي .)
أسرعت
إليهن المعلّمة ، نادت عزيزة لتطمئن
عليها ، فوصلهنَّ صوتها باكياً وهي
تصيح من شدّة الخوف :
(
أنقذوني ! أرجوكم أنقذوني ! )
نظرت
المعلّمة حولها بحيرة ، ثم قالت وهي
تشير إلى الوادي :
(
أحتاج إلى مساعدة واحدة منكن . )
فتقدّمت ليلى بسرعة وهي تمسح دموعها ،
وتطوعت لمساعدة عزيزة .
ربطت
المعلمة ليلى بحبل طويل ، ثم بدأت
بإنزالها ببطء إلى حيث استقرّت عزيزة ،
وما إن اقتربت ليلى من عزيزة حتى طلبت
منها أن تمسك بها لتساعدها في التسلّق
، وما كادت عزيزة تمسك بليلى حتى
أفلتتها ، لتلتقط الناي الذي لم يكن
بعيداً عنها ! تناولته بسرعة ، ثم أمسكت
بليلى ، وصعدتا معاً إلى أعلى وهي تئن
من الألم في قدمها .
وما
إن رأت ليلى الناي بيد عزيزة حتى صاحت
متأثرة :
(
يا إلهي ! كنت تحاولين استعادة الناي من
أجلي ! )
ثم
حضنتها بحب وهي تقول باكية :
(
كم أنا خجلة منك يا عزيزة ! وكم أنت
رائعة ! ) .
خجلت
عزيزة من نفسها عندما سمعت هذه الكلمات
، فعاهدت الله أن تتوقف عن الإساءة إلى
رفيقاتها ، وأن تكون طيبة كليلى ،
ليحبها الجميع !
وحتى
هذه اللحظة ، وعزيزة تحتفظ بذلك الناي
الذي قدّمته ليلى هديّة لها ، لتتذكّر
أن الله يراقبنا دائماً ، ويعرف ما
يدور في نفوسنا ، وأنه يرانا حين نحاول
إيذاء الآخرين حتى وإن كنا وحدنا .
ترى
.. ألا تذكرك هذه القصة يا صغيري بقول
الله تعالى :
.. وهو معكم أينما كنتم والله بما
تعملون بصير
(سورة
الحديد ـ الآية : 4)
والآن
.. أغمض عينيك يا صغيري .. هاهي النجوم
تتلألأ من بعيد ، وعلى نافذتك يغفو
القمر ، دع النوم يتسلل إليك ، ويسكن
عينيك ، نم يا صغيري ، نم ؛ فعين الله لا
تنام .
|