|
وبرغم اتفاقهم في كل شيء إلاّ
أن رابعهم "سمير" كان شديد
الاعتداد بنفسه وبذكائه. وكانت له
أفكار غريبة حقاً! لكن أغربها هو أنه
كان يظن أن الطبيعة وحدها تصنع كل شيء،
وأنها المهندس البارع المبدع! وما أكثر
ما جادله أصدقاؤه وفّندوا بالحجج
البالغة سوءَ ظنه، لكنه كان يكابر
مكابرة ظاهرة.
ويوماً
ما كان الأصدقاء يتحاورون، فذكروا
الاختراعات العظيمة. وهنا أيضاً أراد
سمير أن يبدي لأصحابه تفوقه عليهم فقال
متباهياً:
-
هل تعرفون من اخترع الهاتف؟
فقال
الثلاثة فجأة: لا أحد! إنه وجد هكذا في
الطبيعة!
ذهل
سمير تماماً. لكنه فكر أن في الأمر خدعة
فراح يجرّبهم، فسألهم:
-
حسنٌ، ومن اخترع الرادار؟
قال
محمود: لا أعرف، أظنهُ وجد هكذا في
الطبيعة، كما وجدت الأشجار والغيوم!
دهش
سمير أكثر، فقرر أن يكشف خيوط الأمر
المبيت ضده فقال متظاهراً بالهدوء:
-
لا بأس! هذا رأيكم في الرادار. ولكن من
اخترع التلفاز؟ ومن اخترع الطائرة؟
ومن اخترع المصباح، ومن اخترع..؟ ومن
اخترع..؟
ثم
أضاف بعناد:
-
لا تحاولوا أن تستروا وجوهكم
بالإجابات المراوغة الماكرة. قولوا
الحقيقية إن كنتم تعرفونها حقاً!
فرد
عليه أصدقاؤه الثلاثة بهدوء:
-
حقاً، إننا نظن أن هذه الأشياء الجميلة
التي ذكرتها قد اخترعتها الطبيعة.
فالطبيعة مهندس بارع كما تقول أنت
دائماً!
وهنا
نفد صبر سمير فصاح غاضباً:
"إنكم
تسخرون مني! أية طبيعة هذه التي تستطيع
أن تخترع مذياعاً أو طائرة أو راداراً
أو تلفازاً؟!
فقال
غسان:
وهل
هذه الأشياء أصعب صُنعاً من الحيوانات
والنباتات؟
فالطبيعة
التي صنعت كل شيء، كما تظن أنت، لا بد
من أن تكون قادرة على صنع أجهزة بسيطة
كهذه التي سألت عنها!
فصمت
سمير.. صمت وكأنه فقد القدرة على النطق..
ولكنه كان يفكر بأعمق ما يستطيع وبغتة
تهلل وجهه بفرح مفاجئ وخاطب أصدقاءه:
-
سبحان الله.. حقاً لو كانت الطبيعة
قادرة على صنع شيء، كما كنتُ أظن،
لصنعت المذياع البسيط الصنع قبل أن
تصنع الحصان المعقد الصنع مثلاً؟!
ثم
قام وهو يردد في نفسه الحائرة: اللهُ
خالقُ كلِّ شيء .
وكان
صديقهم خالد أكثرهم دعابة ومزاحاً
فقال:
-
الحق.. يا صديقي سمير، أن الله سبحانه،
هو الذي هدى المخترعين إلى صنع التلفاز
والمذياع، والرادار، والهاتف!.
فدهش
سمير وعاوده عناده القديم فقال
مستنكراً:
-
ما هكذا الأمر يا أخي، لا تبالغ!
قال
خالد: صدقني لست مبالغاً أبداً، فالله
سبحانه هو الذي خلق عقل أديسون، وعقل
غراهام بيل، وعقل لوجي بيرد، وعقل
ماركوني، وهو سبحانه الذي خلق المواد
التي صنعت منها كل المخترعات، ثم هدى
أولئك المخترعين إلى مخترعاتهم.
وقبل
أن يقول سمير كلمة واحدة سمع صديقهم
حسان الذي كان صامتاً طوال الوقت يرتل
بصوته العذب:

إن
في خلق السموات والأرض واختلاف الليل
والنهار والفلك التي تجري في البحر بما
ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من
ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبثَّ
فيها من كل دابةٍ وتصريفِ الرياحِ
والسحابِ المسخَّرِ بين السماء والأرض
لآياتٍ لقوم يعقلون .
سورة البقرة: الآية 164.
وقبل
أن يعاودوا حوارهم مرة أخرى، ارتفع صوت
المؤذن ينادي:
"الله
أكبر.. الله أكبر".
وكان
سمير يمضي مع أصحابه هذه المرة إلى
المسجد للمرة الأولى.
ـــــــــــــــــــــــــ
-
الأخوان رايت: مخترعا الطائرة.
-
ماركوني: مخترع الراديو.
-
أديسون: مخترع المصباح.
-
غراهام بيل: مخترع الهاتف.
-
لوجي
بيرد: مخترع التلفاز.
|