|
عاد
الوالد من العمل ، وبسرعة نادى ولديه
أحمد وهشام وهو يلوّح بشيء ما ! فاليوم
هو موعد تسليم الشهادات المدرسية .
جلس
الوالد على أحد المقاعد مبتسماً ، ثم
أشار إلى أحمد مستفسراً :
(
أين الشهادة ؟ )
فرفع
أحمد يده بها ، وهو يقول ضاحكاً :
(
لقد تفوّقت على الجميع هذا العام يا
أبي ! ) .
أما
هاشم فقد قدّم شهادته لوالده بضيق ،
فلم يكن متفوقاً كأخيه !
قدّم
الوالد لأحمد بعض الكتب ، بينما أعطى
هاشماً ساعة جميلة ، ورغم أن هدية أحمد
بدت متواضعة أمام هدية هاشم إلا أنه
رضي بها ، وقال لنفسه بفرح :
(
هاشم بحاجة إلى الساعة ، أما أنا فأحب
الكتب . )
لكن
هاشم كان ينظر إلى كتب أخيه طوال الوقت
، ويُمنّي نفسه بالحصول عليها ، لذلك
ألقى ساعته على الأرض بغيظ ، وخرج
باكياً ، فتبعه أحمد بحيرة ، وسأله عن
سبب بكائه ، فأجابه هاشم وهو مجهش
بالبكاء :
(
أبي يحبك أكثر مني ! فقد أعطاك تلك
الكتب الرائعة ، ومنحني تلك الساعة
الرديئة ! أنا أكره الهدايا ، أكره
الهدايـا ! ) .
حزن
أحمد من أجل أخيه ، فعرض عليه تبادل
الهدايا ، فوافق هاشم بفرحة غامرة !
وعندما عرف الوالد بالأمر غضب أشد
الغضب ، فهاشم اعتاد أن ينظر لما بيد
غيره ، وأن يكره ما بيده ! وقد حذّر أحمد
عدة مرات من الاستجابة لإلحاح هاشم ،
ولكن دون جدوى .
جلس
أحمد في الغرفة حزيناً ، لأن هاشم منعه
من قراءة الكتب التي جلبها والده ، ومن
فرط لؤم هاشم فقد وضع هذه الكتب تحت
وسادته حتى لا يتمكن أحمد من الحصول
عليها أثناء نومه !
وبعد
عدّة أيام قدم إليهم ابن عمهم حسان
بناء على رغبة والدهم ، وذلك ليقيم
عندهم خلال الإجازة .
قدّمت
الأم لهم الحلوى ، فاختار هاشم قطعة
كبيرة ، وقبل أن يقرّبها من فمه صاح
حسّان محتجّاً :
(
أريد تلك القطعة التي بيد هاشم يا عمي .
) .
ابتسم
الوالد ، وأشار إلى هاشم أن يعطيها له ،
فنظر إليه مستنكراً ، لكنه سرعان ما
رضخ لرغبة والده ، فناولها لحسّان بصمت
.
وعلى
العشاء طلب حسّان من عمه أن يجلس في
المكان الذي اختاره هاشم ، فقام هاشم
استجابة لأوامر والده ، وجلس حسّان
مكانه . وبقي هاشم وحسّان على هذه الحال
، كلما اختار هاشم شيئاً يحصل عليه
حسّان ! بينما يكظم هاشم غيظه ، وعيونه
تكاد تتفجر دمعاً من شدّة التأثر .
وفي
إحدى المرات صاح هاشم وقد نفد صبره :
(
هذا لا يطاق ! لا يطاق ! لماذا لا ترضى
بنصيبك يا حسّان ؟ لماذا تصر على أخذ ما
بيدي ؟! ) .
ضحك
الوالد وهو يغمز حسان ، فعلت أصوات
الجميع بالضحك ، بينما وقف هاشم بينهم
صامتاً ! نظر إليهم بخجل ، طأطأ رأسه
إلى الأرض ، ولم يتفوّه بكلمة ، فقد فهم
ما أراد والده أن يقول له من خلال تلك
اللعبة . دمعت عينا هاشم خجلاً ، ثم
تركهم راكضاً نحو غرفته وهو يقسم أن لا
يجعل من نفسه أضحوكة أبداً ، وأن يعامل
الناس بالطريقة التي يحب أن يعامل بها .
ما
رأيك يا صغيري أن نفكر بقول الله تعالى
:
ولا تمدَّن عينيك إلى ما متّعنا به
أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا
لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى
(سورة
طه ـ الآية131 )

والآن
.. أغمض عينيك يا صغيري .. ها هي النجوم
تتلألأ من بعيد ، وعلى نافذتك يغفو
القمر ، دع النوم يتسلل إليك ، ويسكن
عينيك ، نم يا صغيري ، نم ؛ فعين الله لا
تنام .
|