|

انهال
الناس على بيت إسراء يهنّئونها
بشفائها وسلامتها، جاءها الجيران
كباراً وصغاراً، ذكوراًَ وإناثاً
يحيَّونها ويشدّون على أياديها، كانوا
كقطر النَّدى الذي يبلّل براعم أزهار
الربيع وكشمس الصباح التي تبعث الدفء
في جوانح الطير... شعرت إسراء بنشوة
عارمة تكتنفها من كلّ جانب... لأول مرة
في حياتها تشعر بهذه السعادة وخاصة
عندما زارتها زميلاتها في المدرسة
وكان جدّها يحدّث عن بطولاتها وعن
الأقصى والشهداء … سمعت منه وممّن زار
بيتها القصص الكثيرة، الكلّ يتحدّث عن
انتفاضة الأقصى وأبطالها، سمعت عن
تطوّر الانتفاضة وتحوّلها إلى مقاومة
مسلحة أصابت الكثيرين من جنود
الإجرام، دخلت الأسلحة والتفجيرات في
المعركة وتطوّرت هذه الانتفاضة كما
تطوّرت الانتفاضة الأولى، وكانت إسراء
تتفاعل بكلّ مشاعرها عندما تسمع
خبراًً من أخبار الانتفاضة تتابع
وتسأل حتى تقف على أدق التفاصيل، وكانت
مشاعر الحزن والتأثّر العميق تنتابها
عندما تسمع عن المجازر البشعة وأعمال
القتل الوحشية التي يمارسها جيش
الإجرام اليهودي على الفلسطينيين

بعد
ثلاثة أيام من اللقاءات الحميمة
وتبادل القبلات مع الضيوف الأحباب
انطلقت إسراء إلى مدرستها، أقامت لها
المدرسة حفلة تكريمية قدَّمت فيها كلّ
معاني الحب والعرفان، وفي كلمة معلّمة
النّشاط المدرسي عرَّفت إسراء على
أنها مسؤولة اللجنة الثقافية في
المدرسة وبأن أول نشاطها سيكون إصدار
مجلة ثقافية، تعجَّبت إسراء من
معلمتها … "ما الذي عرَّفها برغبتي
هذه؟! … آه … تذكّرت، أذكر بأني أخبرت
صديقتي ميسون عن رسالة عمّي عز الدين …
لقد قامت بنقل ما نويت على فعله
للمعلمة فوجدت معلمتي هذا الحفل فرصة
مناسبة للإعلان عن هذا الموضوع، حسناً
لن أخيِّب ظنها سأقوم بواجبي خير قيام
بعون الله" … ثم قامت عريفة الحفل
بتقديم إسراء لإلقاء كلمة، شكرت إسراء
الجميع على هذا التضامن الرائع معها …
رحّبت بفكرة المجلة الثقافية ثم
اقترحت لجنة أخرى للتضامن مع أسر
الشهداء والجرحى والمعتقلين.. قالت إن
مهمة هذه اللجنة زيارة الأسر المنكوبة
للتضامن والتشجيع ورفع المعنويات …
انطلقت إسراء توزِّع جهدها على هذه
الأنشطة الرائعة، بين دروسها والإشراف
على المجلة والمشاركة في لجنة التضامن
والمواساة، هكذا أسموها كانت تتحرَّك
كأنها كتلة من النشاط والحيوية أو
كأنها شمس يستمدّ الجميع منها النور
والدفء والحياة...
وكانت
إسراء في كلّ نشاطاتها تستذكر عمَّها...
تستعين بالله وتقتدي بعمّها الذي أدخل
في روحها معاني الإيمان العظيمة والتي
تجعلها دائماً قريبة من الله وقوية
ومتحمّسة للخير.. إذا جاءها هاتف الخير
وإذا وجدت النية السليمة في قلبها عزمت
وتوكّلت على الله وأقدمت بعيداً عن
الضَّعف والتردّد وكانت تتمنّى أن
يكون عمّها قريباً منها... لم تعدْ
الرسائل قادرة على أن تروي ظمأها من
معين عمّها الذي لا ينضب، متى تتحقّق
هذه الأمنية يا إسراء؟! سؤال يطنّ
دوماً في قلبها، تتوجّه ضارعة إلى
المولى العليّ القدير، تنظر بعيداً
حيث غياهب السجون والقيد والحديد،
وتتمنّى على الله.
لقاء
الأحبة
كانت
الأيام تسير بسرعة مع إسراء وهي منهمكة
في نشاطها المتنوعة، وبعد عدة أعداد
أصدرتها مع زميلاتها من مجلة العين
جاءتها فكرة وهي أن تستحدث زاوية في
المجلة تجري فيها مقابلة مع مجاهد.
أخذت تفكّر في رحلة العودة من المدرسة
إلى البيت:

من
المجاهد الأوّل الذي سنبدأ به؟! لا بد
أن يكون مجاهداً هاماً حتى يتشَّوق
الجميع للقراءة وحتى يتشجّع القارئ
للاقتداء به، إن المجاهدين كثر ولكن
إسراء كانت تريد مجاهداً لا تقل أهميته
عن عمّها عز الدين...
وأخذت
تفكِّر في عمّها، استشعرت ذكرياتها
معه وهي تسير في أزقّة القدس القديمة...
في هذه الطريقة التي يختبئ التاريخ
العريق في ثناياها كنت آخذ براحة عمي
وأسير معه إلى الأقصى وعلى هذه الدرجات
كنت أمازحه وأنا طفلة صغيرة فأتركه
يسير وحده وعندما يتعثّر أضحك عالياً...
لم أكن أقدّر مأساة من يفقد بصره... هكذا
ببساطة كنت أضحك، وكان عمّي بدل أن
أثير غضبه أثير ضحكه ومرحه معي.. يا له
من رجلٍ قوي في صبره وقوي في إيمانه...
وصلت
إسراء بيتها، سمعت ضجيجاً فرحاً في
الداخل... عجَّلت بخطواتها، ارتقت سلم
البيت بخفة غزالة نشطة... خُيِّل لها
صوت عمَّها عز الدين، ارتعش جلدها
وجمدت في مكانها، يا لهول المفاجأة..
خطت خطوة داخل البيت.. رأت عمَّها... إنه
هوعزّ الدِّين بلحمه ودمه... فاضت دموع
الفرح إنها لا تكاد تصدّق... هجم عليها
عمَّها، أخذها في أحضانه قبل أن تصعقها
المفاجأة... أمطرها بقبلاته وهمس في
أذنها... لقد نجحت يا إسراء.
نجحت
بحمد الله صفقة التبادل... سنكمِل
المشوار مشوار الحياة معاً يا إسراء..
جمعت
إسراء مشاعرها الملتهبة... استردّت
روحها وهمست:
-
إنه أسعد يوم في حياتي... سبحانك ربي ما
أرحمك..
|