|
وقف
بين الناس في زحام السوق، وترقَّبَ ثم
انتظر. وحين وقعتْ عينُه على ما يريده،
اقترب شيئاً فشيئاً، نحو ذلك المعطف
المعمول من الفرو الثمين الذي يخطف
الأبصار! وتهفو إليه قلوب كثيرة. ثم دنا
أكثر بحذر أكثر ومدّ يده. وكانت يداً
مدرَّبة كأنها كلب صيد! ثم خطفه خلسةً.
وفي ثوان قليلة كان المعطف ينسلُّ بين
ثنايا ثيابه الواسعة. ثم انسلَّ بين
الناس كقطرة مطر بين أوراق الشجر. ثم
ابتعد محاذِراً وفجأة ارتفع الصوت:
"لقد
سُرِقَ المعطف! ذاك هو! الحقوه!"
وأدرك
من أول الصيحة أنه هو المقصود! ومَنْ
غيرُه! فأطلق رجليه للريح والمعطف معه.
وبسرعته الخاطفة كالفهد جعل بينه وبين
مطارديه مسافة طويلة. وإن كان موقناً
أنهم سيدركونه لا محالة، ولو طار
كالبرق.. ولكنه حين أدرك أنهم ضيّعوا
أثرَه ، وقف ليسترد أنفاسه المتقطعة من
اللهاث.. ثم نظر.. نظر إليه فرآه مهيباً،
فخماً، وقوراً هادئاً وصامتاً.. إنه
المسجد، لقد وجد نفسه قرب باب المسجد.
إذن إنه أقرب باب إليه ليؤويه. وفي لحظة
دخل إليه مسرعاً. فوجد جماعة المصلين
يؤدون صلاة الظهر. فرمى المعطف خلفه في
ساحة المسجد من غير أن يراه أحد.
وانسلَّ بين المصلين ثم كبَّرَ عالياً
وقلبه يدقُّ حتى ليكادُ يسمعه. ودخل
معهم في الصلاة.. وبعد لحظات جاؤوا
خلفه، كانوا حشداً من أصحاب السوق،
وكانت أصواتهم تقترب من المسجد حتى
دخلوه. وحين رأوا المصلين في صلاتهم،
صمتوا كلهم.. وفي صلاته سمعهم
يتهامسون؛ فقد وجدوا المعطف مرمياً في
فناء المسجد. فأخذه صاحبه في الحال.. ثم
سمع أحدهم يقول:
"هل
ننتظر، ونحاول التعرف إليه بعد أن
يُنهي المصلون صلاتهم؟"
فصاح
به الآخرون:
"اتق
الله يا رجل، ودع السارق للخالق يقتص
منه، فكيف تجرؤ على أن تفتش بين
المصلين عن لص لا تعرفه يقيناً ولم تر
وجهه، فاتق الله يا رجل ودعنا نذهب
بمعطفنا!"
ثم
سمعهم يخرجون بسكون، فيما هو غارق في
خوفه وصلاته!
وبعد
أن قُضيت
الصلاة..
خرج
من المسجد خائفاً يترقب، ورأى حشداً من
الناس ينتظرون، ومعهم معطف الفرو،
لكنهم لم يكونوا يعرفونه، وحين مر
وسطهم لم يلق له أحد بالاً فكأنه منهم!
شعر
بأمان عظيم، إذن فهم لم يستطيعوا
معرفته الآن، ولن يعرفوه بعد الآن
أبداً.. ثم أحس بدمعات ندم ساخنة تندِّي
خديه. وخَفَق قلبه، فتمتم مخاطباً
ربَّه في نفسه:
"اللهم
لك الحمد كله، سترتني في مسجدك الكريم،
وحفظتني في صلاتك.. اللهم إني لن أعود
إلى ما سترتني منه أبداً، يا رب
العالمين!"
ولم
نعد نعرف أن ذلك الرجل الذي يؤم المسجد
خمس مرات كل يوم، كان لصاً يوماً ما،
فلا أحد يعرف، لا أنا ولا أنت ولا
غيرنا، لا يعرفه إلا الله.. فكيف لنا أن
نكشف مَنْ ستره الله وهداه.
|