|
صعق
محمود مما سمع وقال أيضاً:
-
واأسفاه! قاتلَ اللهُ الفقر، لقد كدت
أنسى بسببه حقوق الناس، وبعض حرمات
الله!
قالت
زوجته وهو تواسيه:
-
الآن عليك أن تعود، وتفتش عن صاحب
النقود في المكان الذي عثرتَ عليها فيه!
وما
هي إلا دقائق حتى وجد محمود نفسه في
المكان الذي وجد المحفظة فيه مرة أخرى
وهناك راح ينظر ويترقب. فأثار انتباهه
رجل يتنقل بين الناس كالملهوف، يسأل
هذا، ويحدّث ذاك، يعبر الشارع، ويقف
أمام الدكاكين ولا يستقر على حال!..
وفي
لحظات أسرع محمود إليه ليستفسر منه،
وحين جاءه وناداه، التفت إليه الرجل.
فكاد محمود يصعق من شدة المفاجأة؛ إذ
عرف أن الرجل هو قريب له. فسأله محمود
والدهشة تلون وجهه وتلعثم لسانه:
-
أهذا أنت يا عدنان؟ ما بك لا تستقر على
حال، كأنك لا تعرف ما تفعل؟ وما جاء بك
إلى المدينة!
قال
عدنان وقد عرف "محموداً":
-
جئت إليك أنت يا ابن عمي.. ولكنني لا.. لا
أستطيع!..
وسكت
عدنان. فسأله محمود بتعجل:
-
قل لي يا أخي عما يحزنك، فأنا رهن
إشارتك في كل ما تطلب!
وصبغ
الحزن ملامح عدنان، وعيناه حائرتان
كأنه لا يستطيع النظر بهما إلى محمود:
فقال:
-
وماذا أقول لك يا ابن عمي؟! بعد أن
ضِّعتُ ما جئت أحمله إليك من أمانة؟
فقد بعث إليك أخوك سليم مبلغاً من
المال بيدي، ولكنني ضيّعته هنا.. أترى
مَنْ سيصدقني، مَنْ؟ أما ستقولون عني
أنني.. أنني..
فقاطعه
محمود وهو يقول مبتسماً:
-
نَعَمْ، سنقول نِعْمَ ابن العم الأمين
أنت!
ثم
مد يده بالمحفظة وقال: أتقصد أنك فقدتَ
هذه؟..
ولم
يتمالك عدنان نفسه، فالتقط المحفظة
وفتحها وعدّ النقود ثم وضعها في جيبه
بحذر واحتراز بالغين، وهو يردد:
-
نَعَمْ، إنها هي، هي، محفظتي!
لكنه
عاد وأخرج المحفظة من جيبه وقال بلهفة
أشد:
-
ولكن خذ النقود فإنها لك، أرسلها أخوك
سليم بيدي إليك، كدت أنسى من قلقي أنها
نقودك!
أخذ
محمود النقود. وهو يردد في نفسه:
ومَنْ
يتق الله يجعلْ له مخرجاً ويرزقْه من
حيث لا يحتسبُ..
[
سورة الطلاق: من آية 2 وآية 3].
|