|
شذى
بنت تحب الراحة ، وتتمنى لو أن الإجازة
لا تنتهي ، فهي تعرف كيف تجعل كل من في
البيت يسعى لخدمتها ودون أن يطلب منها
أن تفعل شيئاً ، فهي ممثلة بارعة ! وقد
اعتادت أن تمثّل دور البنت المريضة .
وبسبب خوف والديها عليها كانا يجبران
إخوتها على خدمتها وتحقيق جميع
رغباتها ، فهي توهمهم بأنها ضعيفة ،
وغير قادرة على تحمّل أعباء العمل في
المنزل . وما إن ينتهي إخوتها من العمل
حتى تتظاهر بالتحسّن ، لتتمكن من اللهو
مع قطتها الصغيرة .
وفي
أحد الأيام ، قرر والدها أن يعيد طلاء
المنزل ، وهذا يعني مزيداً من العمل
الشاق لعدة أيام . غضبت شذى وحاولت أن
تجعل والدها يعدل عن رأيه ، فالتهرّب
من العمل يثقل عليها ، ويقلل من ساعات
لهوها ، لكن والدها أصرّ على رأيه ، ولم
يأبه بدموعها وهي ترجوه أن يتركهم
ليستمتعوا بالإجازة .
وما
إن بدأ العمل حتى بدأت شذى بالشكوى ،
وصارت تصيح متظاهرة بالألم :
(
آه ! رأسي ! رأسي يؤلمني ! ) .
قلقت
أمها عليها ، فجعلتها تأوي إلى فراشها
، وبدأت تعدّ لها عصير الليمون لعلّها
تستريح .
استمتعت
شذى بعصير الليمون بينما تراقبها
والدتها بقلق ، وما هي إلا لحظات حتى
تظاهرت بالنوم ، لكن والدتها ظلّت قلقة
، فشذى لم تحاول النهوض من فراشها طول
النهار مما جعلها تستدعي الطبيب .
وكالعادة ، بدأت شذى تخترع الأكاذيب
للطبيب ، مما جعله يشخّص الحالة بطريقة
خاطئة ، فقد كانت تقول له بأنها تعبت من
كثرة العمل ، وأحسّت بصداع شديد أفقدها
الوعي ، ولم تنس أن تخبره أنها بخير
الآن ولكنها تشعر بالتعب ، فأوصى
براحتها لعدة أيام .
وفي
تلك الأثناء زارهم العم جمال ، وقد كان
مسروراً ، يحمل أخباراً مفرحة ، إلا أن
شذى لم تخرج من غرفتها لتسلّم عليه حتى
لا ينكشف أمرها ، وكم صعقت حين عرفت أنه
أتى من القرية ليدعوهم لحضور حفل زفاف
عمتها عائشة .
فرحت
شذى كثيراً ، وبدأت تفكر في الأشياء
التي ستأخذها معها إلى القرية ، خاصة
أنها تحب عمتها وتتوق إلى رؤيتها ، لكن
فرحتها هذه لم تدم طويلاً ، فقد قالت
لها أمها إن عليها البقاء في المنزل
لأنها مريضة ، وإن شقيقتها الكبرى ستظل
معها لترعاها .
كادت
شذى أن تصرخ محتجّة على قرار والدتها ،
لكنها تذكّرت أن عليها مواصلة التظاهر
بالمرض ، فتركت دموعها تعبر عن حسرتها .
كان
الفرح بادياً على وجوه إخوتها ، يروحون
ويجيئون في المنزل بحثاً عن أشيائهم ،
أختها الصغرى اشترت فستاناً جميلاً ،
أما شقيقها زياد فقد اشترى حذاءاً
جديداً . وكانوا يغنّون وهم يجهّزون
حقائبهم ، فأمهم وعدتهم بالبقاء هناك
أسبوعاً كاملاً ! كانت أصوات ضحكاتهم
تصل إليها من بعيد وهي مجهشة بالبكاء
لا تعرف كيف تخلّص نفسها من هذه الورطة
!
دخلت
أختها الكبرى تحمل كوباً من عصير
الليمون ، فقالت شذى لنفسها مؤنّبة :
(
ما ذنب أختي لتدفع ثمن كذبة كذبتها ؟ من
حقها أن تذهب معهم ! ) .
صاحت
شذى بتأثر :
(
إنها غلطتي ! غلطتي ! )
فاقتربت
أختها منها ، ابتسمت بحب وهي تقول لها
مؤكدة :
(
المرض بلاء من الله ، علينا أن نتقبّله
برضى ، وهذا لا ذنب لك فيه ! ) .
لكن
الكلمات كانت تزيد من حزن شذى وخوفها ،
لكنها لم تجرؤ على قول الحقيقة .
وبينما
يخرج الجميع مودّعين خرجت شذى من
غرفتها . نظرت إليهم ، حدّقت في وجه
أختها الكبرى ، وانفجرت بالبكاء ،
فاندفعوا جميعاً نحوها ..
كانت
شذى تبكي وهي تخبرهم بالحقيقة ، وكانوا
ينظرون إليها باستياء ، ولم يصدّقوا أن
شذى الطفلة الرائعة يمكنها أن تكذب
هكذا ، لكنها الآن تشعر بالراحة وهي
تعترف ، لأنها تعرف أن الله غفور رحيم ،
ولأنها قررت أن تتوقف عن الكذب وأن
تعمل كبقية إخوتها .
ما
رأيك يا صغيري أن نفكر معاً في قول الله
تعالى :
إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون
بآيات الله وأولائك هم الكاذبون
(سورة
النحل ـ الآية 105)
والآن
… أغمض عينيك يا صغيري .. ها هي النجوم
تتلألأ من بعيد ، ومن بعيد يغفو القمر ،
دع النوم يتسلل إليك ، ويسكن عينيك ، نم
يا صغيري ، نم ؛ فعين الله لا تنام .
|