|
وكان
من ضمن هذه الهدايا جاريتان من جواري
المقوقس، مارية القبطية وأختها سيرين،
كان والد مارية مصرياً قبطياً وأمها
رومية الأصل، فكانت مارية بيضاء
البشرة، جعدة الشعر حسناء، جميلة
الخَلق والخُلُق.
سارت
مارية وأختها مع حاطب بن أبي بلتعة،
رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم،
حزينة الفؤاد لفراق بلدها العزيز،
متوجهة إلى مصير مجهول لا تعرف
كُنْهَهُ، لو علمت ما يدّخره لها القدر
من خير وفير، لطارت فرحاً.
أخذ
حاطب يواسي مارية ويخفف عنها أحزانها،
ويمنّيها بخير وفير لو دخلت الإسلام،
كان حاطب ذكياً لبقاً في حديثه معها.
فآمنت
مارية بالله ربّاً وبمحمد نبياً من قبل
أن تراه، وكذلك آمنت أختها سيرين.

المدينة
المنورة
وصلت
القافلة إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فأكرم رسول الله صلى الله عليه
وسلم الأختين غاية الإكرام، وهذا من
خُلُقه الكريم، ولما رأى رسول الله صلى
الله عليه وسلم مارية وخصالها الحميدة
أُعجب بها، وجعلها سرية له (أي كالزوجة)
ويذهب إليها بين الحين والآخر وينام
عندها.
وتزوج
حسان بن ثابت أخت مارية (سيرين)، فكان
زواج الأختين مباركاً سعيداً، نقلهما
من ذلّ العبودية، إلى كرامة الحرية.
وبعد
أشهر معدودة أنجبت مارية لرسول الله
صلى الله عليه وسلم مولوداً ذكراً،
أسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم (إبراهيم)،
فكان إبراهيم قرّة عين لوالديه،
وسبباً لعتق أمه مارية، فقد قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم:
{أعتقها
ولدها}.
مضت
ستة عشر شهراً على ولادة إبراهيم،
والفرح والحبور يغمران البيت النبوي،
وإذا بالمرض يحيط إبراهيم الحبيب،
ويشتدّ ويشتد ولا يتركه إلا جثة هامدة.
حزن
رسول الله صلى الله عليه وسلم حزناً
شديداً على فلذة كبده، وتساقطت دمعتان
سخيتان كريمتان على وجنتيه ، وهو يدفن
حبيبه وفلذة كبده، ويقول:
{إن
القلب ليخشع وإن العين لتدمع وإنا على
فراقك يا إبراهيم لمحزونون}
حزنت
مارية لفراق وليدها إبراهيم حزناً
عميقاً يذيب الصخر، وأمسكت ثدييها
اللذين يدرّان الحليب بغزارة تسكتهما،
فالرضيع الآن عند ربّه في جوف طيور
خضر، يرتع في جنان الخُلد، ينتظر مجيء
والديه إليه كي يدخلا الجنة معه.
ولكن
مارية لم تستسلم لحزنها، بل اقتدت بخير
البريّة زوجها وحبيبها رسول الله صلى
الله عليه وسلم، فطوت حزنها واحتسبت
فلذة كبدها عند ربها، كما علمها حبيبها
رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي
العام السادس عشر من الهجرة، أسلمت
روحها إلى بارئها.. بعد طول صيام وقيام
وتفكّر وتسبيح، ودُفنت بالبقيع مع
الصحب الكرام.

البقيع
جمعنا
وإياها في جنات الخلد.
|