|
بدا عامر سعيداً
حين طلب منه المعلّم رسم تلك اللوحة ،
فلماذا يبدو الآن حزيناً وحائراً ؟!
ترى ! ماذا حدث؟
يا إلهي ! بينما كان
عامر يقف قرب النافذة المطلّة على
الشارع حاملاً علبة الألوان سقطت
العلبة من يده ، وعندما ذهب ليأتي بها
لم يجدها .. المسكين عامر ! يشعر بالحرج
، ولا يريد أن يخبر المعلّم بما حدث حتى
لا يتّهمه بالإهمال .
عاد عامر إلى البيت
بوجه حزين ، وقد بدا عليه الضيق والقلق
. رفض تناول الطعام ، واتجه نحو غرفته
بسرعة ، وجلس على سريره يبكي ..
لقد فكّر بشراء
علبة ألوان جديدة ، ولكنه يعرف أن أمه
لا تستطيع أن تعطيه ثمنها ، ففي نهاية
الشهر يشتدّ الأمر صعوبة رغم محاولات
أمه أن تجعل ما يتبقى من النقود كافياً
لحين حصول والده على راتب الشهر المقبل
..
أمسك عامر قطعة
الكرتون وهو يقول لنفسه بحسرة :
( ليت
أمي ترضى بإعطائي ثمن علبة جديدة ،
يارب ! ساعدني يا ربي ! ماذا سأقول
للمعلّم غداً ؟ )
سحب من الهواء
نفساً عميقاً ، ثم قرر الذهاب لتناول
الطعام وهو يقول لنفسه مؤكداً :
( سأجد
حلاً لمشكلتي ، لا بد وأن أجد الحل ،
ولكن عليّ أولاً أن أتناول بعض الطعام
، آكل ، وأستريح ، ثم أفكر بهدوء .)
وفي المطبخ ،
وبينما يعدّ لنفسه شطيرة من الجبن وجد
على الطاولة مبلغاً من المال ، نظر إلى
النقود وهو يقول لنفسه بألم :
( لا بد
أن هذه النقود هي كل ما تبقّى لدى أمي ،
يا للخسارة ! لن تتمكن من إعطائي ثمن
علبة الألوان ! )
أراد عامر أن يبتعد
، لكن صوتاً من داخله بدأ يشجّعه على
أخذ النقود :
( أتذكر
يا عامر ؟ أتذكر كيف اكتشف والدك أنه
فقد محفظته عندما عاد من سوق الخضار ؟
صحيح أنه شعر بالأسف ، وصحيح أنه تدبر
أمره بصعوبة وقتها ، لكن الأمور سارت
على ما يرام بعد ذلك . هيّا يا عامر ، خذ
النقود ، خذها ! ودع والدتك تظن أنها
فقدتها .. ستشتري بهذه النقود علبة
الألوان دون أن يلاحظ أحد ، وسترسم
لوحتك الجميلة ، وسيعلّقها المعلّم في
الصف ، ولن يكشف أحد سرّك ، صدقني ،
ستتدبّر أمك الأمر . خذ النقود يا عامر
، خذها ! )
وضع عامر يده على
النقود ، وكاد أن يأخذها لولا أنه أحس
بالخجل من نفسه وهو يحاول سرقة أمه
المسكينة ! أمسك شطيرته بسرعة وابتعد
عن النقود ، لكن عينيه ما زالتا تنظران
إلى النقود بتردد ، مما مكّن الشيطان
من الوسوسة له من جديد ، فحاول أن يمد
يده إلى النقود ثانية ، لكن يده ارتعشت
بخوف حين تذكّر أن الله معه ، يراه
ويسمعه ، ويعرف ما يدور في قلبه ، قال
عامر لنفسه بخوف :
( إن
الله ينظر إليّ الآن وأنا أحاول سرقة
أمي ! لا ، لن أستمع إلى الشيطان ! )
ثم ترك النقود
مكانها وهو يكرر بندم :
(
أستغفر الله ! أستغفر الله ! غداً سأخبر
المعلّم بما حدث . لن أكذب ، ولن أسرق ،
لن أسرق . )
وفي اليوم التالي ،
ذهب عامر إلى معلمه ليعتذر له ، وقبل أن
يتفوه بكلمة كان المعلّم يبتسم له وهو
يرفع علبة ألوان زيتية بيده ويقول
معتذراً :
( أعرف
، أعرف . لقد أخطأت وأعطيتك علبة
الألوان القديمة ! ولكن لا بأس ، فها هي
العلبة الجديدة ، ويمكنك بالطبع
التخلص من العلبة القديمة ، فهي لا
تصلح للعمل . )
ترى .. ألا تذكرك هذه
القصة يا صغيري بقول الله تعالى :
.. ومن
يتّق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث
لا يحتسب ..
(سورة الطلاق ـ الآية 3)
والآن
.. أغمض عينيك يا صغيري .. ها هي النجوم
تتلألأ من بعيد ، وعلى نافذتك يغفو
القمر ، دع النوم يتسلل إليك ، ويسكن
عينيك ، نم يا صغيري ، نم ؛ فعين الله لا
تنام .
|