|
قصة: نازك
الطنطاوي
أنس ولد مشاغب، يحب
الفوضى والضحك، والسخرية من الآخرين.
وكان معلم التاريخ رجلاً كبيراً في
السن، يمشي محنيَّ الظهر، ويضع نظارة
على عينيه، ويتكلم بصوت منخفض.. فكان
كلما دخل المعلم إلى الصف، وأعطى الدرس
للتلاميذ، وانتهى، يأتي أنس بعده
ويقلّده في مشيته، وطريقة كلامه مع
التلاميذ ونظراته إليهم.. فيضحك الطلاب
ويصفقون له..
وفي يوم من الأيام،
وبينما كان التلاميذ في فترة الراحة،
شاهد حسن صديقه أنس مع مجموعة من
التلاميذ وهم متحلقون حول بعضهم
البعض، ويكادون يقعون على الأرض من
شدّة الضحك..
تقدّم حسن من
التلاميذ، فرأى أنس واقفاً في وسط
المجموعة، يقلّد معلم التاريخ..
والأولاد يضحكون. فصرخ حسن في وجه
الطلاب ليكفّوا عن الضحك.. ثم اتّجه نحو
أنس وعلامات الغضب بادية عليه، وقال:
- ما هذا الذي تفعله
يا أنس؟!..
أطرق أنس رأسه إلى
الأرض خجلاً، بينما تابع حسن كلامه:
- إن الذي تفعله -يا
أنس- عمل مخلّ بالآداب، وإن الفصل
الدراسي مكان مخصص للعلم، وليس مكاناً
للفوضى والضحك والسخرية.
وسكت حسن لحظة ثم
تابع قائلاً:
- إن للعلم آدابه..
وللمعلم احترامه.. فإن من لا يحترم
العلم ولا يتأدّب مع المعلم ويحفظ
غيبته لا يستحق الجلوس في الصف، لأنه
ليس طالب علم. والله ورسوله صلى الله
عليه وسلم أوصيانا بعدم الاستهزاء
بالآخرين، أو السخرية منهم، فكيف وأنت
تسخر ممن له الفضل في تعليمك وإرشادك
إلى الطريق الصحيح..
وأخيراً يا أنس...
ألم تسمع أباك يقول: "من علّمني
حرفاً كنت له عبداً".
سكت أنس برهة لا
يدري ماذا يجيب، وهو في قرارة نفسه
يعلم أنه أخطأ في استهزائه بالمعلم،
وقال مداعباً:
ولكني أريد أن أضحك
الطلاب وأسعدهم.
فردّ حسن بحزم:
ولكن ليس على حساب
المعلم الذي يفنى، ليضيء طريقك.
أطرق أنس رأسه إلى
الأرض خجلاً وقال بحزن:
- آسف يا صديقي على
تصرفي هذا،
ولكني أعدك أن تكون هذه آخر مرّة أقلّد
فيها أحداً أو أسخر من أحد.
صفّق التلاميذ لأنس
على اعترافه بخطئه، وتراجعه عنه.
دق الجرس معلناً
بدء الحصة الثانية، فأمسك أنس بيد
صديقه حسن واتجه الاثنان معاً نحو
مقاعد الدراسة، وقد تعلّم أنس درساً لن
ينساه أبداً.
|