|
بنفس طيبة ، وقلب سعيد ، لأنه كان يعرف
أنه بذلك يرضي الله تعالى ، ويدخل
السعادة على قلوب أولئك المعذبين .وكان
أولاد الشيخ الصالح – إلاّ واحداً – يكرهون فعل أبيهم ، ويعتبرونه خرفاً
وتبذيراً وإنفاقاً في غير موضعه ، حتى
إذا ما مات أبوهم الشيخ ، قرّروا أن
يحتكروا ثمرات ذلك البستان لأنفسهم .
ليكثر مالهم ، ويسعدوا أنفسهم
وأولادهم ، وليذهب الفقراء إلى الجحيم
.
قال أحدهم : لقد صار
البستان لنا ، وسوف نجني منه الكثير .
وقال الثاني : ولن ندع
الفقراء يقتربون منه .
وقال ثالث : ولن يطمع
الفقراء بعد اليوم بشيء منه .
قال أوسط الإخوة ، وكان
معجباً بأبيه وبكرمه وإنفاقه على
الفقراء والمساكين :
أنصحكم أن تسيروا على ما كان يسير عليه
أبوكم ، فالله سبحانه قد جعل للفقراء
والمحتاجين حقاً في هذا المال .
قال كبيرهم : إنه مالنا ،
وليس لأحد حق فيه .
قال أوسطهم : بل إنه – كما كان يقول أبونا – إنه مال الله ، وقد استودعنا الله إياه،
وللفقراء نصيب فيه ..
واشتد الجدال وطال الحوار ، وغلب الأخ
الأوسط على أمره ، وأتمر الإخوة فيما
بينهم ، أن يبكروا إلى تلك الجنة
الدانية القطوف،وأن يأخذوا كل ما فيها
من فواكه وثمار،
قبل أن يتنبّه الفقراء والمساكين ويأتوا – كعادتهم أيام أبيهم – ليأخذوا حصتهم ونصيبهم منها .
نام الإخوة الأشحّاء على أحلام الغد
المترع بالغنى والثروة ، واستيقظوا في
الهزيع الأخير من الليل ، وبادروا إلى
بستانهم ، وعندما وصلوا إليه وقفوا
ذاهلين ، فقد كان البستان قاعاً صفصفاً
، قد قُلع نبته ، وسقطت ثماره ، وجفت
أوراقه ، وذبلت أعواده وأزاهيره ، وغاض
الماء في جداوله ..
قال كبيرهم : لا .. لا..
هذا ليس بستاننا ..
وقال الآخر : إنّ
بستاننا جنّة تجري من تحتها الأنهار ،
وهذا خراب بلقع .
قال أوسطهم : بل إنّه
بستانكم .. قد أرسل الله عليه طائفاً من
البلاء جعله كما ترون ، لأنكم لم
تفعلوا كما كان يفعل أبوكم ، لم ترضوا
الله فيما أعطاكم ، لم تعطوا الفقراء
حقهم الذي فرضه الله لهم في بستانكم ..
ولقد نصحتكم ، ولكنكم لا تحبون
الناصحين ..
وندم الإخوة على ما كانوا بيّتوه ضد
الفقراء ، ولكن بعد فوات الأوان ..
قالوا: سبحان ربِّنا إنّا
كنّا ظالمين ، فأقبل بعضهم على بعض
يتلاومون ، قالوا : يا ويلنا إنّا كنّا
طاغين ، عسى ربّنا أن يبدلنا خيراً
منها ، إنّا إلى ربّنا راغبون .
.
|