|
سعد تلميذ يتعلم في
مدرسة القرية، التي تقع على مرتفع تحيط
به الحقول الجميلة التي يراها
التلاميذ من أبواب ونوافذ الصفوف، لأن
المدرسة ليس لها سور مرتفع. فالتلاميذ
في أوقات اللعب، يركضون في الهواء
الطلق بحرية. إنهم يحبون المدرسة
والمعلمين، ولا يفكّر أحدهم بالهرب....
عاد سعد في يوم من
الأيام إلى البيت، وبعد أن استراح
قليلاً، أخذ يرسم رجلاً له أجنحة طويلة.
رأته أمه فتعجبتْ، وقالت لأبيه:
- تعال انظُرْ: سعد
يرسم رجلاً بأجنحة!
حضر الأب مسرعاً،
وقال:
- يا سعد ما هذا؟
أتغير خلق الله؟ .
قال سعد: لا والله
يا أبي، ولكنّ معلمنا –في هذا اليوم-
حدثنا عن الملائكة وذكر أنها تظهر
بصورة البشر بإذن الله.
وقصَّ علينا قصة
مريم التي جاءها جبريل بصورة رجل
وبشّرها بغلام.
وذكر لنا قصة جبريل
عليه السلام، الذي جاء بثياب بيضاء
وشعر أسود، ودخل على النبي صلى الله
عليه وسلم وهو جالس مع أصحابه، فسأل
الرسولَ الكريمَ عن الإسلام،
والإيمان، والإحسان، واليوم الآخر، ثم
غاب، وأخبرنا المعلم أن الملائكة لها
أجنحة، كما أخبر اللهُ في الآية الأولى
من سورة فاطر:
)الحمد
لله فاطر السماواتِ والأرضِ جاعل
الملائكة رُسُلاً ألوي أجنحة مَثْنَى
وثُلاث ورُباع..(
صدق
الله العظيم.
لذلك أرسم ملكاً
بصورة رجل له أجنحة.
قال الأب: لا بأس
عليك، ولكن في هذا اليوم سأدعو إمام
المسجد لزيارتنا بعد صلاة العصر،
ونسأله عن هذا الموضوع.
بعد ساعة ارتفع صوت
المؤذن يعطّر الفضاء، ويدعو المسلمين
إلى صلاة العصر.
توضأ أبو سعد وأحسن
وضوءه، ثم ذهب مع ابنه سعد إلى الجامع
لأداء الصلاة.
وفي الطريق ردد
الأب على سمع ولده سعد حديث الرسول صلى
الله عليه وسلم :
"مّنْ
تَطَهَّرَ في بيته، ثمّ مضى إلى بيتٍ
من بيوت الله، ليقضيَ فرائضَ اللهِ،
كانتْ خُطُواتُه، إحداها تَحُطُّ
خطيئةٍ والأخرى ترفعُ درجة".
وفي المسجد وقف
المصلون خلف الإمام في صفوف منتظمة دون
أيِّ شَغَبٍ!!
قال سعد في نفسه: لو
أنَّ تلاميذ المدرسة، يعرفون هذا
النظام لارتاح المعلم.
وبعد الصلاة صافح
أبو سعد الإمامَ، ودعاه لزيارته،
فقَبِلَ الإمامُ شاكراً، وفي الطريق
انضمَّ إليهم بعضُ أصدقاءِ أبي سعد.
وفي البيت جلس
الإمامُ مع صَحْبه في ساحة الدار تحت
شجرة كبيرة.
وأسرع سعدٌ فأحضر
آلة تسجيل، وضعَها في نافذة الغرفة
بالقرب من المجلس، لتسجيل ما يقوله
الشيخ.
بعد ذلك تحدث أبو
سعد عن رسم ابنه للملائكة، وعن كلام
المعلم، فقال الإمام:
- ما ذكره المعلم
صحيح. وإن نزول الملائكة إلى الأرض
ومقابلة الناس تكرر عدة مرات.
فقد حدّث الرسول
الكريم "أن رجلاً زار أخاً له في
قرية أخرى، فأرصد الله تعالى على
مَدْرَجَتِهِ مَلَكاً (أي
أرسل الله تعالى إليه في الطريق ملكاًَ
بهيئة رجل) فلما أتى عليه قال:
- أين تريد؟
قال: أريد أخاً لي
في هذه القرية.
قال: هل لك عليه من
نعمة تّرُبُّها عليه؟ (أي هل لك عنده
مصلحة تذهب إليه بسببها؟)
قال: لا، غير أنّي
أحببته في الله تعالى.
قال: فإني رسولُ
اللهِ إليك بأنّ الله قد أحبَّك كما
أحبْبتَه فيه"
فالله يحبُّ الذين
يزور بعضهم بعضاً لوجه الله، وينزلهم
يوم القيامة منزلاً مباركاً في الجنة.
والزيارة بين
الأحباب تقوي المودة بينهم وتجعل
المجتمع متماسكاً كالبنيان المرصوص
يشدُّ بعضُه بعضاً، وزيارتي إليكم
اليوم تجمع بيننا وتزيد المحبة،
والزيارة بين المسلمين طريق إلى الجنة.
في هذا الوقت أحضر
سعد الضيافة، وابتدأ بالإمام.. قال أحد
الحاضرين:
- يا شيخ إنك قلت: إن
الزيارة طريق الجنة فهل تذكر حديثاً عن
الرسول يدلّ على ذلك؟
اعتدل الشيخ في
جلسته، وقال:
- يا إخوتي إن
الزيارة للأصحاب من الأعمال الصالحة
التي تُدْخِلُ الجنة فقد ورد عن النبي
صلى الله عليه وسلم:
"إذا
زار المسلمُ أخاه في الله عزَّ وجلَّ
أو عاده (أي زاره وهو
مريض) قال الله عز وجل:
طِبْتَ وتبوَّأتَ من الجنة منزلاً".
ويجب على المسلم أن
يزور أخاه المسلم شوقاً إليه ولكي يعرف
أحواله، فإن كان في طاعة أعانه، وإن
كان غافلاً ذكَّره، وإن كان محتاجاً
ساعده، لذلك يجب أن يكون بين المسلمين
زيارات في المناسبات للتهنئة، وفي
المرض لمعرفة صحة المريض والدعاء له
بالشفاء، وفي موت أحد الأقارب للتعزية.
قال جار أبي سعد:
- يا سيدي لي قريب
أزوره ولا يزورني وأسأل عنه ولا يسأل
عني، فهل أزوره؟
أجاب الشيخ:
- صِلْ مَنْ قَطَعَك
واعفُ عمَّنْ ظَلَمَك، فالمسلمُ عليه
أن يزور الآخرين، ولو قَطَعُوه، لقد
كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على
صلة الأرحام (الأقارب)، ويأمر أصحابه
بذلك، فيقول لهم:
"من
كان يؤمن بالله واليوم الآخر
فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ".
وكان أحد الصحابة،
ينفّذُ أمر النبي صلى الله عليه وسلم
فيزور أقاربه ويَصِلُهم، ولكنّ
أقاربَه كانوا لا يزورونه، ولا يحسنون
معاملته، فغضب الرجل من ذلك وذهب إلى
النبي صلى الله عليه وسلم يشكو إليه،
وقال له:
- يا رسول الله! إن
لي قرابة، أَصِلُهم ويَقْطَعُونني،
وأُحْسِنُ إليهم ويسيئون إليّ، وأحلمُ
عنهم (أيْ: أعاملهم بالرفق)، ويجهلون
عليّ (أيْ: يعاملونني بالغلظة والشدة)،
فوصّاه النبيُّ صلى
الله عليه وسلم أن يستمر في زيارتهم،
فله بذلك الأجر الكبير، وعليهم الوزر
والذنب لسوء معاملتهم له، وقال له
النبي صلى الله عليه وسلم:
"لئنْ
كنتَ كما قلتَ، فكأنما تُسِفُّهُم
المَلَّ (أيْ:
تُطْعِمُهم الرَّمادَ الحارَّ)،
ولا يزال معك من الله ظهير (أي:
تأييد وتوفيق من الله)
عليهم ما دمت على ذلك".
إن رسول الله صلى
الله عليه وسلم كان قدوة لنا في
الزيارة. فعندما أرسل جيشاً إلى مؤتة –على
حدود بلاد الشام- لتأديب الروم، وكان
عدد جيش الروم كثيراً، ولكن المسلمين
لم يخافوا ذلك.
فلما بدأت الحرب،
استشهد في هذه المعركة الصحابي الجليل
جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ابن عم
النبي صلى الله عليه وسلم فلما علم
باستشهاده ذهب إلى بيته ليواسيَ زوجته
وأبناءه فلما دخل الدار، أحضر أولاد
جعفر الصغار، وقبَّلَهم، فسألتْه
أسماءُ – زوجة جعفر -:
- يا رسول الله !
أبَلَغَك عن جعفرٍ شيء؟ فقال صلى الله
عليه وسلم :"نعم. قُتِل
اليوم".
فبكتْ أسماءُ على
موت زوجها وفراقه، وما زال أولاده
صغاراً، فخَّفَفَ النبيُّ عنها
حُزْنَها، وواساهم ثم رجع إلي بيته
وقال لأهله:
"اصنعوا
لآل جعفر طعاماً، فقد شغلوا عن أنفسهم".
وكان عليه الصلاة
والسلام شديد التواضع، رفيقاً بأصحابه
يزورهم ويسأل عن أحوالهم، ويداعب
أولادهم في حبّ وتوّدد وكان ممن يزورهم
(أبو طلحة) وزوجته وكان لهما من الأولاد:
أنس بن مالك رضي الله عنه وأخوه (أبو
عمير) وكان لأبي عمير طائر صغير، فكان
النبي صلى الله عليه وسلم يقول له
مداعباً:
"يا
أبا عمير! ما فعل النغير".
واستمر النبي
يزورهم ويصلي عندهم ويدعو لهم بالخير
والبركة حتى توفي صلى الله عليه وسلم .
توقف الشيخ عن
الكلام، ونظر إلى ساعته، ثم استأذن
وانصرف داعياً لأهل البيت بالخير
والبركة.
بعد قليل عادت أم
سعد من زيارة جارتها المريضة..

أسرع سعد إلى آلة
التسجيل، وأسمع أمَّه ما قاله الإمام
عن الزيارة، ففرحتْ وحَمِدَتِ اللهَ
لأنها قامت بعمل يرضي الله تعالى،
ويُدْخِلُ الجنةَ.
|