قصة: عبد الرزاق المطلبي

يحكى أن شاباً اسمه عاصم، أصاب جلده مرضٌ خبيث، وتحمَّلَ آلامه صامتاً، وعندما تعب أهله، ويئسوا من شفائه، قرروا الرحيل مع أهل القرية. أما هو، فقرر البقاء في الدار، على عادة الناس في زمانه، وكان أهله قد صنعوا حوله سياجاً، فيه فتحة ملؤوها بالأشواك والأحجار لكي يستطيع الخروج أو الدخول بعد رفع الأشواك والأحجار عنها، وفي داخل السور كان الكوخ الذي ينام فيه.

بعد أيام نفد منه ما تركوه له من طعام وخبز، فماذا سيعمل، وهو هنا طريح الفراش، ولا يقدر على الحركة؟ غير أنه حمد الله كثيراً، أن كان لديه نبع ماء عذب، يزحف إليه، ويشرب منه، كما كان يأكل من نباتات تنبت حوله.

كان منقطعاً عن الناس تماماً، يعيش وحده مع آلامه ومرضه، غير أنه كان يضع أذنه على الفتحة ويستمع، لعله يسمع صوت إنسان، حتى كان يوم، سمع أصوات رجال، فأسرع ينطرح على فراشه، وأخذ ينادي عليهم.. نظر أحدهم من ثغرة في أشواك الفتحة، فرآه، وعندئذ جذب رفاقه وهو يقول:

- هناك رجل مطروح، أظنه مريضاً مرضاً خبيثاً.

وسمعوه يقول:

- أنا جائع.. جائع.. لقد نفد الطعام الذي كان عندي، فهل من يعطيني شيئاً من طعام؟!.

لكن الرجال ابتعدوا عنه، وأحدهم يقول:

- لا أحد يقترب من المرضى المتروكين في الديار.

فلم يقل عاصم شيئاً، بل حمد الله سبحانه وتعالى وهو يحدث نفسه:

- قوتي وجلدي في صبري.. فأعنّي يا ربّي..

وانطلق يزحف على يديه ورجليه قائلاً:

- الحمد لله أني أستطيع أن أزحف، وأن أسحب بساطي معي.

وهكذا بقيت حياته.. من الكوخ، إلى مكان الشمس، إلى النبع الذي كان يجد طعم بعض نباتاته غريباً، لكنه يمضغه ويتعود عليه.. وكان يحدث نفسه:

- مسكينة أمي، ومسكين أبي.. لقد حمّلتهما آلاماً فما أكثر صبرهما، أعانهما الله على تحمُّل فراقي، أفلا يكفي أنهم تركوني في هذا المكان الذي يمنع عني الخطر، وفيه الماء والنبات والسقف الذي يظلني.

ولما مضى عليه شهر هكذا، صار يشاغل نفسه، بالطواف حول ماء النبع، والبحث في نباتاته، وتمييز أنواعها، وبهذا ينسى آلامه، وقد زاد عزمه وتصميمه على الصبر أكثر، لكي يعيش أكثر ما يستطيع من أيام، ولأنه لم ييأس من رحمة ربه، وكان عنده أمل في شفائه، فإنه أخذ يفكر في شيء يعمله دواء لمرضه.

بدأ عاصم يأخذ من طين النبع وأعشابه المائية، فيعجنها ويدهن بها جسمه، ويأخذ من تلك الحشائش ليأكل، وكان ينطرح تحت الشمس وينام، حتى تميل نحو المغيب، وحين تبدأ الثعالب والذئاب تعوي حوله، كان يبحث عن عصاه الطويلة الغليظة التي نسيها منذ صار يزحف زحفاً إلى النبع، وكان يعرف أن الذئاب كانت تشم ريحه، وتريد افتراسه، فأمسك بعصاه مسكة قوية، وقد عزم على الدفاع عن نفسه حتى آخر نقطة من قوة لديه. وكان من مدة قد أخذ يلف جسمه بالصوف ليلاً، بعد دهنه، ويكشفه نهاراً للشمس..

فجأة انتبه عاصم إلى أنه يستطيع الوقوف، والمشي، وإن كان بضعف وهدوء، لكنه كان يمشي بآلام أقل، وصار يجلس جلوساً عند حافة ماء النبع، ويغترف الماء بيديه، بدل أن ينطرح ويأخذ الماء بفمه، فحمد الله كثيراً، وهو يفكر أن ألمه يقل، وأن حاله أفضل بكثير..

مرة أخرى سمع أصوات ناس، ورغاء جِمال، فتنقل إلى الفتحة وصاح:

- هل هنا أحد في هذا القفز؟.

- نحن هنا.. فمن أنت؟.

- أنا عاصم بن بجير السلمي، فمن أنتم؟.

- نحن جماعة من بني مجاشع.. لماذا أنت هنا وحدك؟.

- أرجوكم أنا بلا طعام من أيام طويلة..

- هل لديك إناء أو أي شيء لنضع لك فيه طعاماً..؟

- نعم.. لدي إناء فخّار، سأدفعه لكم.. انتظروا..

أعطوه حليباً وتمراً، فهتف:

- جزاكم الله خيراً أيها الأخيار..

وتلك الليلة أكل التمر وشرب الحليب، ونام، وقد رفع هذا من روحه، وزاده قدرة على الصبر، حتى إذا كان الصباح، وكانت آلامه قليلة جداً، انطلق يضحك بصوت عال ويصيح:

- الحمد لله.. الشكر لله.. لقد شفيت.

لكنه لم يترك ما يشربه من النبع، ويأكله من نباته، ويأخذه من طينه ونبات مائه، ويدهن، وينام في الشمس، ويلف جسمه بالصوف، وما زال يردد:

- هذه رحمة الله وعطفه..

بدأ يبحث عن الطعام غير النبات، وقصد قرب الفتحة، حيث كان يرى أرانب تدخل مرات، فاختبأ جيداً، وفعلاً استطاع أن يمسك بأرنب، ويسرع به فرحاً إلى كوخه، وأعده طعاماً ليومه..

وهكذا وجد عاصم دواءه وطعامه، وبدأ يتذكر أهله، ويحّن إليهم، ويبتسم مسروراً بعودة عافيته إليه، وردد بينه وبين نفسه:

- حقاً إن الله مع الصابرين.. فحمداً لله وشكراً.

هذا الصباح كان عاصم يركض ويقفز داخل السور.. فقد شفي تماماً، وغادر مكانه ليبحث عن أهله.

وذات يوم، وجد نفسه في الطريق العائدة إلى النبع والسور حوله، وقد فكر أن يقضي ليلته فيه، لكن.. ما إن اقترب، حتى رأى بيوت القرية وقد عادوا جميعاً إلى ديارهم، ومن بين البيوت، عرف بيت أهله، فقصد إليه ليدخله عليهم من دون ضجة، لكن طفلاً رآه وعرفه، وصاح.. وخرج الناس وخرج أهله..

احتفل به أهله، وجميع أهل القرية.. فلما حكى لهم كل ما عاناه ومر عليه وعمله.. هتفوا جميعاً:

- إنه جزاء الصبر.. وهو خير الجزاء.

 

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح   ©  2005