قصة: صلاح محمد علي  

رسوم: مهيمن سامي

 

ما أعجل "وسام" الآن للذهاب إلى حفلة عيد ميلاد صديقه "عمار"! وما أشد اهتمامه بأن يكون الأكثر وسامة والأجملَ هنداماً بين كل المدعوّين إلى ذلك الحفل، الذي يتهيأ الآن للذهاب إليه!.. ولا يصعب على مخيلة "وسام" الخصبة أن تتخيل كل لحظات مكوثه في تلك الحفلة، وها هوذا الآن يعاجل الوقت ويسابق الزمن من أجل أن يكون من أول الحاضرين إليها..

ثم.. وصل وسام إلى دار صديقه "عمار" فلقي فيها ترحيباً وألقى تحيات، وتبادل أمنيات، وصافح صديقه "عمار" بحرارة وود عميق:

- عيد ميلاد سعيد، وعمر مديد يا عمار، لأتمنى أن أحضر حفل عيد ميلادك يوماً، وأنت عجوز في التسعين من العمر!

وضحك الصديقان بمرح وحبور..

وكان "وسام" قد اعتاد أن يكسب ودّ الآخرين حيثما كان أو وُجد فهو مرح لطيف، كثير المجاملة من غير إسراف، بالغ التهذيب، يخلل حديثه بطرائف غريبة لطيفة، تفتح الأفواه بالضحك والإعجاب والاستغراب.. وكان سعيداً لهذا جداً، وفي نفسه رضا عميق، أيّ رضا! كذلك اعتاد أن يكسب صداقة نصف الحاضرين قي أي مكان يوجد فيه، بعد أن يكسب ودّ الجميع قبل ذلك!

وهذا اليوم جاء "وسام" تداعب نفسه هذه الأحلام ذاتها، بأن يُسعد ويُسعدَ، يُفرح ويفْرحَ، يُضحك، ويَضحك.. وكان يقول لأصدقائه دائماً: الصداقة العميقة تبدأ بكلمة طيبة صادقة!

ولكن..

ماذا جرى للناس هذا اليوم مع وسام، فهو كلما رأى ضيفاً وكلّمه أحسّ أن ذلك الضيف يختصر الحوار معه اختصاراً، ثم يتهرب منه بلباقة، كأنه يفرّ منه فراراً.. أحسّ وسام بالحيرة وتداعت إلى نفسه أسئلة الاستفهام، لكنه استعاد ثقته بنفسه، وعاد يحاور هذا، ويلاطف ذلك، ويتعرف على هذين، ويشارك أولئك..

ولكن.. لم يغير ذلك من الأمر شيئاً، فهو كل مرة يجد نفسه متروكاً وحيداً،  كأن أحداً لا يرضى بأن يطيل معه حديثاً، أو يتبادل معه حواراً! وأسوأ ما أحزنه أنه لاحظ أن الجميع لا يكترثون لحديثه المرح، ولا يضحكون لطرائفه ونكاته البديعة!

وما أن مرَّ ربع وقت الحفلة، حتى وجد "وسام" نفسه وحيداً تماماً، وكان صديقه "عمار" هو الوحيد الذي يأتي بين وقت لآخر لمجاملته.. وقد لاحظ تكلف "عمار" ومداراته له، وكيف أنه يخترع الأسباب لينشغل عنه بضيف آخر سواه! فما أحزن "وسام" اليوم وما أشقاه! وما هو الوقت يمر بطيئاً عليه، كأنه سكة يمر فوقها قطار ثقيل طويل! فيكاد يبهض قلبه، ويجرح نفسه تجريحاً مريراً!! لكنه صبر –بل تصابر- كي لا يزيد إحساسه المؤلم بالهزيمة، لو أنه ترك الحفلة قبل وقت انتهائها..

غير أنه لم يُطق على حاله صبراً، فانسلّ من بين الحاضرين بهدوء ونعومة، كماء ينساب بين الأصابع، ومضى إلى بيته لا يلوي على شيء.. رجع إلى البيت وهو محمّل بأفدح الحزن.. وفي نفسه كان يردد: "أيصدق أأني أنا نفسي الذي لاقيت كل ذلك الجفاء، وقوبلت بجميع ذلك الإهمال!! أأنا هو نفسي أم أنا شخص غيري!؟" وكاد يضحك بمرارة من سؤاله الغريب، لكن الحزن كان قد أوصد قلبه بأحكم الأقفال! فمن أين له أن يضحك!؟

*  *  *

في البيت، روى "وسام" لأمه كل شيء، والدموع تكاد تنطلق من عينه لولا الحياء، ثم ختم حكايته:

- كانت حفلة حزن لي يا أماه!! حزن عميق يا أماه! فما الذي جعلهم وكأنهم اتفقوا سراً على الابتعاد عني!؟ ترى هل بلغهم عني وشاية كاذبة ظالمة؟ أو.. ربما أنهم.. أ..

وفوجئ "وسام" بأمه تضع يدها على فمها وأنفها، وهي تدفع برأسها قليلاً إلى الوراء، فلمعت عيناها سؤال صعب:

- أف! أف!.. ما هذا يا "وسام"؟!!

فسألها بجزع:

- ماذا يا أماه؟ لا أفهم.. لا!.. أعرف.. مــ.. ا.. ذ.. ا

ردت أمه بجزم يخالطه الإشفاق:

- حسنٌ يا ولدي، تعال معي كي ترى نفسك.

 وقادته نحو المرآة وقالت له:

- افتح فمك، وانظر إلى وجهك في المرآة..

امتثل "وسام" لأمر أمه، وحين نظر في المرآة رأى أسنانه، مسفرة، داكنة، فأطال النظر إليها، فرأى قطعاً من بقايا الطعام عالقة بين بعض أسنانه..

شعر "وسام" بحزن شديد وأسف عميق، لكنه استعاد شيئاً من رباطة جأشه، وسأل أمه على استحياء:

- ولكن.. هل بقايا الطعام هذه تكفي لجعل كل من حدّثته في الحفلة ينفر مني ويتحاشاني؟!

- لا يا عزيزي.. ولكنها..

- لكنها ماذا؟

- لكنها تلك الرائحة المزعجة التي كانت تنبعث من فمك، بسبب تعفن بقايا الطعام فيه!!

- هذا كل شيء؟

- هذا كل شيء!

صمت "وسام" طويلاً، كأنه فقد القدرة على النطق، ثم سأل أمه أخيراً برجاء واضح:

- والآن.. ماذا.. أفعل.. لكي.. أصحح كل شيء!! إن كان ذلك ممكناً! أهو ممكن؟

- أجل يا "وسام" إنه ممكن جداً.. حسن.. اسمع يا ولدي.. أنت تعرف أن النظافة من الإيمان.. أليس كذلك؟

- بلى يا أماه.

- إذن فهاك اسمع ما يأمرك به الإيمان.

- ها أنا أصغي إليك تماماً..

- يقول سيدنا رسول الله "صلى الله عليه وسلم" ليس شيء أشد على الملكين من أن يَرَيا بين أسنان صاحبهما طعاماً وهو قائم يصلي".

- صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكان "وسام" لا يزال واقفاً أمام المرآة، فتناول فرشاة أسنانه ووضع عليها شيئاً من معجون التنظيف، فسمع أمه تقول له:

- وهاك اسمع أيضاً يا ولدي قبساً من هَدي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تسوّكوا، فإن السواك مطهرة للفم مرضاة للرب".. واسمع قول نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم: "لقد أُمرت بالسواك حتى خشيت أن أدرد".

شعر "وسام" بارتياح عميق، وتنفس الصعداء وقال بثقة:

- لو أنني كنت تعلمت كل هذا الهَدي النبوي الشريف، بشأن العناية بالأسنان، وتنظيفها، لما رجعتُ إليك بالحال التي رأيتني عليها اليوم.. ولكن..

- ولكن ماذا؟..

ما معنى قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خشيت أن أدرد"؟

- أي خشيت أن تسقط أسناني من شدّة الدلك والتنظيف الذي أتعهدها به.. ولكن.. أتدري ما السواك؟

- أجل يا أماه.. أعرفه.. إنه قطعة من خشب صغيرة تؤخذ من الشجر، وتستعمل لتنظيف الأسنان..

وتناول "وسام" الفرشاة وراح ينظف أسنانه بعناية واضحة، كأنه يريد أن يعوض ما فاته اليوم.

ورجع إلى أمه بعد قليل، يبتسم ابتسامة عريضة، وقد تعمّد أن يكشّر عن أسنانه، التي ظهرت بيضاء ناصعة تحوطها لثته الوردية وسأل أمه:

- والآن؟!

- أنت الآن أجمل مما كنت!

فاقترب من وجه أمه وألقى على خدها قبلة حنون، فشعرت أمه بعطر أنفاسه زكياً طيباً، فقالت له بكل صدق:

- أنفاسك طيبة كحديقة ورد! ولكن هل قبلتني لتريني رائحة أنفاسك الزكية! إنك ولد لا تخلو من منكر أحياناً يا "وسام"!

فضحك "وسام" بعمق وقال:

- لا، أبداً يا أماه! بل فعلت ذلك لأشكرك على أنك ذكّرتني وهديتني إلى الطريق الذي يجعلني أفعل الأشياء بصورة صائبة، وقبل أن يفوت الأوان.

- ماذا تعني؟!

- أعني يا أمي الحبيبة لو أنني كنتُ قرأت –من قبل- هذا الهدي النبوي الكريم بشأن نظافة الأسنان والفم، لما لقيتُ ما لقيتُ من إعراض الحاضرين عني في حفلة صديقي "عمار"! وهنا اجتازت وجهه غمامة من الحزن، سرعان ما أدركتها أمه فقالت:

- ولكن لم يفت الأوان بعد يا "وسام"!

- وكيف.. كيف ذلك يا أماه!؟

- الأمر سهل.. سهل جداً.. أُدع كل أولئك الأصدقاء إلى حفلة عيد ميلادك، بعد أسابيع.. ثم..

- ثم ماذا؟

- ثم استقبلهم بنفس ابتسامتك الوضيئة هذه وسترى كيف يغيرون رأيهم فيك.. سترى..

اقتنع "وسام" بكل ما قالته أمه له.. وراح فيما بينه وبين نفسه يحصي الأيام التي ستمر ليلقى أصدقاءه بأجمل ابتسامة وبأطيب أنفاس..

 

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح   ©  2005