قصة: عبد الرزاق المطلبي

يحكى أن فلاحاً أحمق في إحدى بلدان الشرق كان يملك حصاناً جميلاً قوياً يدير له الناعور الذي يسقي ماؤه حقله، وكان يتنقل عليه من مكان إلى مكان، ويحمل أثقاله ومحصول حقله عليه.

كانت حياته تسير يوماً وراء يوم بين دوران ناعوره وعمله في حقله، ومعه في هذا زوجته وأولاده.

*   *   *

وذات يوم، كان يركب حصانه ماراً به في سوق القرية الذي يجتمع فيه أناس كثيرون، وقد أوصته زوجته أن يغادر السوق بعد أن يبيع محصوله ويعود لئلا يخدعه أشرار السوق ويأخذوا منه ثمن محصوله.

وهكذا أسرع خارجاً، راكباً حصانه، وحين أوشك على مغادرة السوق قطع الطريق عليه رجل كَثُّ اللحية غريب، ليس ممن كان يراهم، ودنا منه قائلاً:

- أنا غريب.. أرجوك دلّني على تاجر الحلي والجواهر هنا..

فسأله الفلاح: لماذا؟

قال الرجل: عندي شيء أريد بيعه له.

وأخرج الرجل من جيبه جوهرة تبرق متوهجة في ضوء النهار، وأراها للفلاح الذي بهرته أضواؤها وألوانها المتحولة، فقال له الفلاح:

- أتبيعها بكل هذه النقود؟ وهي كل الثمن لمحصول حقلي هذا الموسم..

قال الرجل: لا..

فقال له الفلاح: وهل تقبل أن تبيعها بهذا الحصان؟..

فقال الرجل: كلا.. لا أقبل.

وعندئذ هتف الفلاح: إذن بعها لي بثمن المحصول وحصاني، وهذا كل ما أملك.

نظر الرجل إليه نظرة طويلة، وابتسم قائلاً: وماذا ستفعل بها؟

قال الفلاح:

سأحملها إلى أهلي ليروها ويتعجبوا منها مثلي.. وبعدها نحفظها في مكان أمين ذخراً لنا..

قال الرجل: حسناً.. هات ثمن محصولك وهات حصانك، وخذ هذه الجوهرة.

*   *   *

تعجب أهل الفلاح حين رأوه يُقبلُ ماشياً على قدميه، فخرجوا مسرعين ليسألوه، لكنه أخرج لهم الجوهرة البراقة قبل أن يتكلموا.. هتف:

- جوهرة.. هذه جوهرة حقيقية، سنحتفظ بها ذخراً لنا ومالاً لوقت الحاجة..

وهتفت زوجته: وهل اشتريتها بكل ثمن المحصول؟

قال الفلاح مفتخراً: نعم..

وسألته زوجته خائفة: وأين حصانك إذن؟

قال الفلاح وهو يضرب على صدره: بعته..

وسألته بلهفة: وبكم؟.

أجاب ضاحكاً: بهذه الجوهرة.

تعجبت المرأة وقالت غير مصدقة: ثمن المحصول كله لهذا الموسم والحصان أعطيتهما مقابل هذه الجوهرة؟؟

قال: نعم..

- وماذا سنفعل بها؟ نأكلها أم نشربها أم نلبسها؟؟.

فأجاب مبتسماً: سنصبر حتى يأتي محصول الموسم القادم..

وسألته بشيء من الغيظ والتهكّم:

- وكيف سيكون لديك محصول، وليس لديك حصان يدير ناعورتك ليسقي حقلك؟؟ ثم كيف ستحرث أرضك من دونه؟!.

قال: سأديره أنا بدل الحصان، وسأتدبر أمر حراثة أرضنا..

*   *   *

أخذ الفلاح يضع نفسه بدل الحصان، ويربط ذراع الناعور إلى كتفيه ويديره، لكنه سريعاً ما كان يتعب، فيتوقف، فيتذكر أن زرعه سيظل بلا ماء، وسيموت، ويسرع يدور بذراع الناعور، حتى ضعف وأصابه الهزال، وأخذ يتوسل إلى زوجته التي أشارت عليه أن يستعير ثيراناً وأحصنة من جيرانه الذين كانوا قد علموا بما فعله جارهم بحصانه وبنقود محصوله، وابتسموا مشفقين.

ولّما أراد أن يشتري منهم رفضوا جميعاً وقالوا:

- صحيح إنها جوهرة ثمينة، يكفي أن يتباهى بها الإنسان، لكنّ حصاناً أو ثوراً يدير الناعور أثمن عندنا منها بكثير..

*   *   *

وذات مساء، وكان الفلاح متعباً ومكدود الجسم والعقل، رأى رجلاً يركب حماراً، فعرض عليه أن يشتري منه حماره بجوهرته، لكن الرجل رفض، وابتعد بحماره عن مجنون مثل هذا يطلب منه أن يبيع حماره!!

*   *   *

وبعد أيام وجد رجلاً يقود حماراً هزيلاً، فأسرع إليه يعرض عليه أن يعطيه هذا الحمار الهزيل المريض مقابل هذه الجوهرة الثمينة، ومازال يحاوره ويداوره حتى رضي ذلك الرجل..

*   *   *

ضحكت المرأة في بيته، وقالت:

- لم أرَ أو أسمع بأحمق منك!! تبيع حصاناً جميلاً قويلاً، ومحصولاً وافراً، وتشتري حماراً هزيلاً لا ينفع حتى لتحريك خشبة صغيرة!!.

 

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح   ©  2005