|

قصة:
عبد الرزاق المطلبي
رسوم
: أمير عجام
يحكى أنه كان
هناك والٍ طيب عادل، يحب الناس
ويحبونه، فقد كان يسمع صوت الشاكي،
ويعاقب الظالم، وينصف المظلوم..
*
*
*
وكان هناك أمر
غريب يحصل في مدينته، جعله دائم
الغضب، منزعجاً ومقهوراً بينه وبين
نفسه، ذلك أن حوادث قتلٍ وسلبٍ ونهبٍ
وقطعٍ للطرق كانت تقع كل ليلة ويوم،
حتى افتقد الناس الأمن والأمان،
وسيطر الرعب على الجميع..
وعلى الرغم من
كل ما عمله الوالي، وعلى الرغم من
استنفاره لشرطته، لكن تلك الحوادث
المهددة للناس كانت تقع كل ليلة، حتى
صار الناس يحملون السلاح ليلاً
ونهاراً، ويخرجون إلى أعمالهم
جماعات، متحسبين ومستعدين للمواجهة
والدفاع عن أنفسهم وأموالهم..
*
*
*
وذات يوم اندفع
صبي صغير إلى الوالي وهو جالس في
فِناء قصره، فحاولت الشرطة والجنود
أن يمنعوه، بل وأرادوا أن يأخذوا منه
ما يحمل، لكن الوالي صاح بهم:
- دعوه.. أنا
أريد أن أسمع منه وأرى..
دنا الصبي من
الوالي، وأعطاه ورقة صغيرة، ولما
فتحها الوالي وقرأ ما فيها، نهض من
كرسيه، وقد تغير لونه، وشحب وجهه من
فرط غضبه، فقد قرأ فيها:
"سيدي
الوالي الطيب، لا تذهب بعيداً في
البحث عن اللصوص والقتلة الأشرار،
فهم حولك، إنهم من شرطتك الذين يحيطون
بك..".
استدعى الوالي
كل شرطته، وأخذ يحدق في وجوههم وجهاً
وجهاً، ورماهم بالتقصير والعجز في
مواجهة عصابة الأشرار، لكن سرعان ما
هز رأسه وعاد إلى كرسيه، وندم الوالي
على شيء، هو أنه لم يسأل الصبي عمن
أعطاه الورقة!.
*
*
*
لم ينم الوالي
ليلته، وأخذ يفكر بطريقة يكتشف بها
أولئك الأشرار، غير أنه وهو يستعرض في
خياله وجوه شرطته، فكر أنه ربما هي
حيلة من الأشرار لكي ينشغل بشرطته
فينصرف عنهم.
ومنذ تلك
الليلة لم يعد الوالي يخبر أحداً ممن
حوله بأي أمر أو شيء، بل بدأ يغير
ملابسه، ويتنكر بملابس أهل المدينة،
فيخرج إلى الشوارع والطرق، وإلى كل
مكان يمكن أن يفعل الأشرار فعلتهم فيه.
*
*
*
وزاد في ألم
الوالي وهياج غضبه، أن بعض شرطته
كانوا يصبحون مقتولين، وخُيِّلَ إليه
أنهم يحاربونه هو، وليس الناس
وشرطته، وصار يدعو الله أن يدفع بهم
إليه، أو أن يهيئ له أن يشهد وقعة من
وقائعهم السود..
*
*
*
وذات ليلة أسرع
على أصوات استغاثة ونجدة، ورأى جماعة
من قطاع الطرق يغلقون طرفي الشارع على
مجموعة من الناس القادمين إلى
المدينة، وفكر أنهم ربما هربوا قبل أن
يصل بشرطته إلى المكان، وحار في أمره،
وكاد يرمي بنفسه عليهم لولا حكمته
وإدراكه لمخاطر أن يحاربهم وحده.
وفجأة اندفع
فارس ملثم، وأخذ يصول ويجول بين
الأشرار، وقبل أن يفيق من المفاجأة،
إذا بكمين من شرطته أنفسهم يخرجون على
ذلك الفارس شاهرين سيوفهم في وجهه،
محاولين قتله، لكن سرعان ما قتل منهم
وشتت الباقين، ثم اندفع منسحباً
تاركاً غيمة من غبار وراءه.
*
*
*
وحصل ما حصل في
الليلة الثانية، فما كان من الوالي
إلا أن اندفع يحارب معه وهو متنكّر،
ثم حين انسحبا، وصارا وحدهما، اقترب
الوالي منه، وقال له:
- أنا الوالي..
فمن أنت؟!
وإذا بالفارس
يزيح اللثام عن وجهه ويقول:
- وأنا شيماء
عبد الجواد، التي نهبوا مال أبيها،
وقتلوا أخاها، فثارت لنفسها وللناس
وللوالي العادل الطيّب، ومعي الآن
كثيرون ممن يحملون راية الله أكبر،
ويحاربون شرطتك الأشرار!.
*
*
*
في الليلة
الثالثة، وبعد هجوم الفتاة
وانسحابها، تقدَّم الوالي المتنكّر
من الشرطة، وقال لهم:
- اسمعوا يا
رجال الوالي، أنا أعرف هذا الشاب الذي
يقاتلكم، فخذوني إلى الوالي حتى أشهد
لكم عليه.
ودُهش الوالي
عندما رأى اللصوص الذين يرتدون ثياب
الناس العاديين، يغيّرون ملابسهم
بملابس الشرطة التي وضعوها في بيتٍ هو
وَكْرٌ من أوكارهم، وامتلأ غيظاً من
هؤلاء الشرطة المجرمين.
*
*
*
وصلوا إلى دار
الوالي، وطلب من الشرطة أن ينتظروه
جميعاً في غرفة الديوان لكي يشهد لهم
أمام الوالي نفسه، التي ما لبثت
أبوابها أن أغلقت عليهم بإحكام..
وهكذا جمعهم
الوالي كلَّهم في غرفة واحدة، سجنهم
حتى موعد جلوسه للحكم في الصباح
التالي.
|