مكتبة الأطفال

أرسل للفاتح رسالة أو مشاركة أو اقتراحاً

الأعداد السابقة

(1)

تأليف: أحمد حسن الخميسي

كنت أسكن في البحر، تحملني الأمواج من مكان إلى مكان.

جاءت أشعة الشمس تصافح وجهي...

أحسست أن وزني يخف...

أخذني بساط الريح إلى طبقات الجو

تجمعتُ مع أخواتي (قطرات الماء) لنؤلف غيوماً ينزل منها المطر مدراراً إلى الأرض العطشى..

يروي الحقول، ويسيل في الوديان، يرفد نهراً، ويمشي معه إلى البحر...

أو ينزل الثلج إلى الأرض يُلبس الطبيعة ثياباً بيضاء.

يتراكض الأطفال إلى الساحات...

يلعبون ويتراشقون بالكرات الثلجية بلطف.

 

أحبابي الأطفال:

في يوم من الأيام، نظرت إلى الأرض وأنا أسبح فوق حقل عطشان وعند طرف الحقل، شاهدت رجلاً يحمل فأساً ومجرفة، وقطرات العرق تتصبب من جبينه، رأيته يقطع عمله –أحياناً- ويرفع يديه إلى السماء داعياً.

(اللهم اسقنا الغيث..)

ثم ينشد:

يا ذا العطا    يا ذا الرضا   اسق العطاش تكرماً

اسق العطــاش

مـن  المياه      تنمو الحياة

تروي الفلاة      تسقي الشياه

فيــا  إله      يامن رضاه

يـسقي العطــاش

اسق العطاش      تكرمــاً

سألتُ الريح: من يكون هذا الرجل؟

قالت الريح: إنه الفلاح يا ديمة

قلتُ: ومن هو الفلاح؟

قالت الريح: إنه رجل يحب أرضه مثلما يحب أطفاله.

عندئذ.. ابتسمت، وقد امتلأ قلبي فرحاً، أمسكت بأيدي صديقاتي ونزلنا إلى الأرض نسقي العطاش تكرماً.

 

أحبائي الصغار:

تتشرب التربة قطرات المطر، فتروي النباتات والأشجار بالماء، الذي يرتفع مع الغذاء إلى الأوراق...

تتفتح الأزهار ثم تكون الثمار كالفواكه والخضار والحبوب..

من منكم لا يحب الموز والتفاح والبرتقال؟

من منكم لا يُسرّ، وترتاح نفسه وهو ينظر إلى جمال الحقول المكسوَّة باللون الأخضر، والأزهار الملونة الجميلة..؟

إن الماء الذي أنا جزء منه، يوجد على الأرض في بحر أو نهر أو بئر أو بحيرة..

يغطي هذا الماء أكثر من نصف العالم! كما ترون ذلك على مجسم للكرة الأرضية داخل الفصل في درس الجغرافية الذي تحبونه.

وكما يراه رائد الفضاء عندما ينظر إلى الكرة الأرضية وهي تسبح في الفضاء...

 

أحبائي البراعم:

الناس يحبون البحر والنهر والبئر والبحيرة

إنهم يحبون المياه أينما وُجدت.

لأن الله جعل من الماء كل شيء حيّ...

ماء البحر مالح، لأنه يذيب الأملاح الموجودة في الصخور.

ماء البحر المالح لا يصلح للشرب، لذلك أقامت كثير من الدول معامل لتحلية مياهه، وخاصة دول الخليج، لأن الأنهار فيها نادرة.

يحصل الناس على ملح الطعام من ماء البحر...

البحر واسع، تقف على شاطئه، فلا ترى آخره. تعيش فيه كثير من الأسماك والحيوانات المائية...

لقد سخّر الله البحر للناس ليأكلوا منه لحماً طرياً ويستخرجوا منه زينة...

لقد استفاد الجميع من البحر منذ القديم، فبنوا مدناً هامة على شواطئه، كمدينة اللاذقية في سورية، وبيروت في لبنان، وعكا في فلسطين، والإسكندرية في مصر، وجدة في المملكة العربية السعودية، ومدن عربية جميلة أخرى وهي الآن موانئ للسفن التجارية، ومراكز للسياحة والاصطياف...

إنكم تجدون على شاطئ البحر –يا أحبائي- صُدَفاً تلعبون بها.

ويعجب أحدكم لقوة المياه، وهي تحمل باخرة كبيرة، تنقل البضائع بين الدول، وتنقل الألعاب الحلوة...

على شاطئ البحر يسبح الصغار ويمرحون ويتراكضون، ويلعبون بالرمال..

أنا ديمة: أحب الأطفال لأنهم يحبون البحر الذي يعلمهم فعل الخير والعطاء...

الطيور أيضاً تحب البحر، فهي تطير في سمائه بالعشرات من مكان إلى مكان، وتسبح فوق سطحه تصطاد بعض الأسماك.

هذا البطريق لمح فوجاً من السمك الأزرق، فغطس ليبتلع سمكة لذيذة، ثم صعد إلى سطح الماء، ليتنفس الهواء ثم عاد إلى الغطس من جديد..

 في البحر أسماك صغيرة وكبيرة، مثل سمك القرش...

من الأسماك ما يضيء بأنوار متوهجة تسمى الأنوار الحيّة..

وفيه حيتان ضخمة، وفيه الحوت الأزرق أكبر حيوان في الوجود...

الناس يحبون التنزه على شاطئ البحر، فتراهم في العطلة الأسبوعية، يتوزعون على الرمال، وفي الماء على ظهر مراكب شراعية بسيطة، أو على سفن حديثة فخمة، يتمتعون بالسباحة والشمس والمرح ويمارسون الألعاب والنشاطات المفيدة...

البحر عالم واسع، ينزل الغواص إلى أعماقه، لمعرفة أسراره، واستخراج كنوزه الثمينة، من لؤلؤ ومرجان...

لكل دولة حدود مائية في البحر، تدافع عنها، كما تدافع عن أرضها اليابسة!!

لهذا تمتلك بعض الدول بوارج حربية فيها أجهزة حديثة، تُصيب الهدف من بعيد.

وحاملات طائرات على سطح البحر،

وغواصات بحرية تعمل في أعماق البحر،..

تستفيد الدول من قاع البحر، فترسل مركبات غواصةً عديدة تحت البحر، تُستعمل لأغراض الاستكشاف،

ومنها يعمل في أعماق البحر خطوطاً للهاتف،

وتقوم بتمديد أنابيب النفط والغاز،

وتُنقِّب عن النفط وتستخرجه..

أنا ديمة يا أطفال! أحب المياه العربية وأحب الشطآن العربية..

ذات مرة، كنت في نهر، يولد من وادٍ بين جبلين، ويصبُّ في البحر، ويجري في المزارع والحقول، سمعت طفلاً على ضفة النهر يضع زورقه الورقي في المياه، ويغني له ويقول:

أيها النهر لا تسرْ      وانتظرني لأتْبعكْ

أنا أخبرت والدي      أنني ذاهب  معكْ

فانتظرني لأتْبعك

أنـا أحضرت مركبي      هـو يا نهر من ورق

خـذه يـا نهـر إنه      ليس يخشى من الغرق

وانتظرني لأتْبعك

وجرى النهر مسرعاً      ومضى ثم لم يعـد

صرخ الطفل قائـلاً      بعدما المركب ابتعد

ليتني ليتني معكْ

إن النهر الجميل، يتكون من الأمطار الكثيرة وتزيد مياهه بذوبان الثلوج في قمم الجبال وتنضم إلى مجراه جداول وأنهار، تُسمى الفروع أو الروافد ليصبح نهراً كبيراً غزيراً...

يسقي الفلاح مزروعاته من مائه، ويفتح قنوات إلى المزارع...

أو يضخ ماءه بمحركات، توزع الماء بواسطة مواسير إلى الأراضي العطشى أو بواسطة نواعير، تغرف الماء من النهر، وتوزعه في سواقي إلى الحقول...

في مدينة (حماة) على نهر العاصي في سورية نواعير جميلة...

في الوطن العربي أنهار كبيرة ومشهورة مثل نهر النيل في مصر والسودان، ونهر الفرات في سورية، ونهر دجلة في العراق...

أقيم على هذه الأنهار سدود، تنظم توزيع المياه، فتسلم البلاد من أضرار الفيضانات، التي تحدث في فصل الشتاء والربيع، تنمو بالقرب من النهر عدة أنواع من الأشجار كالصفصاف الذي يستخدم خشبه الأبيض في بعض الصناعات...

تعيش في النهر الأسماك التي تحب المياه العذبة، والضفادع التي تضع بيضها في زوايا النهر الراكدة...

إنني أرى بعض الحيوانات المائية بين نباتات النهر...

إنها حيوانات لبونة (تتكاثر بالولادة) هذا ثعلب الماء (القُضاعة) يسبح في الماء يبحث عن السمك والضفادع وصغار الطيور، ليتغذى بها.

لمحت جرذ الماء والقندس يلتهم فريسته...

وأعجبتني الطيور، فهذه بطة تطفو على سطح الماء وراءها الفراخ الصغيرة...

وتتطاير في جو النهر، وتقف على نباتاته وأشجاره عصافير الصفصاف وعصافير المناقع ويقف على جانب الماء مالك الحزين بقوامه المرفوع...

يظهر على سطح الماء الراكد والحجارة والصخور نوع من الطحالب...

النهر الكبير يجري بتدفق، يجلس فتى على شاطئه يصطاد السمك، ومجموعة من الشبان، تركب قارباً تتنزه، وقارب آخر ينقل الركاب من مكان لآخر...

هذا النهر الوديع المسالم، إذا فاض غمر الحقول، وانقلب إلى مارد مخيف مليء بالوحل والحطام،

لقد كان بين الإنسان والأنهار صداقة قوية منذ القديم...

سكن الإنسان بجانب الأنهار، وبنى القرى والمدن الكبيرة، مثل القاهرة والخرطوم وبغداد.

مياه الأنهار ضرورية لحياة الإنسان...

منذ عهد غير بعيد كان الإنسان، يستخدم الماء في تدوير المطاحن التي تطحن الحبوب، لأن للماء قدرة محركة...

 

أحبابي الحلوين:

يحكى أن النهر الصغير، كان يحلم برؤية البحر. قال له العصفور ذات يوم:

-البحر كبير!

وقال له الصياد: البحر صديق الصيادين.

وقالت له الغيمة عندما التقت به:

-أنا ابنة البحر: أرسلني إليك البحر لأفرغ مائي في راحتيك الصغيرتين، وأجعلك تكبر بسرعة.

وقالت له الأشجار: وطن الأنهار البحر.

فرح النهر الصغير كثيراً، وجمع ماء الغيمة في راحتيه الصغيرتين فتحوَّل، بسرعة إلى نهر كبير بدأ يشق طريقه عبر سهل فسيح.

وذات يوم سمع النهر صوتاً خافتاً يناديه من بعيد... قائلاً له:

أيها النهر الجميل تعال إليّ...

قال النهر: أأنت البحر!؟

قال الصوت: لا... أنا المستنقع...

قال النهر: ماذا تفعل هنا؟

قال المستنقع: آه... لقد كنت نهراً كبيراً مثلك يا عزيزي...

وذات يوم أخبرتني الريح أن البحر يبتلع كل الأنهار، وتراجعت وقررت أن أحفر حفرة أسكنها... إنني أكره البحر...

قال النهر: ألا تعلم أن النهر الذي يتوقف عن الجريان يموت؟

قال المستنقع: دعك من هذه الأوهام، وتعال إليّ قبل أن يبتلعك البحر.

تردد النهر لحظة وشعر بخوف شديد لكنه قرر أخيراً أن يصبح مستنقعاً.

عندما علمت العصافير قرار النهر، حزنت ولم تعد تغني.

وحزن الأطفال الصغار.. لأن العصافير أصبحت كئيبة..

واحتجت الأشجار...

وغضب البحر..

انقضت أيام والنهر يعيش في حفرة ضيقة مع المستنقع. لكنه سرعان ما شعر بالضجر وبأن حياته أصبحت لا تطاق، فكان توّاقاً لسماع صوت العصافير وصياح الأطفال.

وذات يوم قرر النهر أن يغادر المستنقع، وفعل ذلك في اليوم التالي، ومن بعيد سمع النهر المستنقع وهو يصرخ قائلاً:

-عُدْ أيها النهر.. إن ذهبتَ فسيبتلعك البحر.

شقّ النهر طريقه بعزم وهدر قائلاً:

"خير لي أن يبتلعني البحر من أن أكون مستنقعاً لا نفع مني"

فرح الأطفال كثيراً بعودة النهر إليهم، بينما أخذت أصوات العصافير ترتفع رويداً رويداً.

 

أصدقائي الأطفال:

النهر له روافدُ تغذيه وتزيد ماءه، والنبع يغذي الروافد.

وأذكرُ مرة أنني نزلتُ مع قطرات المطر، فابتلعتني الأرض إلى الأعماق، وبقيت في أحضان الأرض ما شاء الله، وبينما أنا مشتاقة للنور، إذ ببعض الأحجار يفتح لي باباً أخرج منه:

وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء.. البقرة الآية 74.

فجريتُ ماء عذباً رقراقاً إلى النهر ليزداد غزارة.

وإن لي موسيقا من الخرير عذبة إذا نزلت من الأعلى إلى الأسفل من سفح الوادي..

إن الأرض اليابسة تتفجر عيوناً..!!

أيام طوفان نوح فجَّرَ اللهُ الأرضَ عيوناً

فالتقى الماء على أمر قدْ قُدِر القمر آية 12.

وفجَّرَ الله الأرض عيوناً أيام موسى...

أما سمعتم قصة موسى مع قومه..؟

أتوا إليه يشكون العطش، وهم في البرية، حيث لا نهر ولا بئر..

وعطش أطفالهم كثيراً.

ورأى ذلك موسى عليه السلام..

فدعا ربه،

ومن له غيره؟

فقال الله:

اضرب بعصاك الحجر

فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً،

قد علم كل أناس مشربهم

 

 

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح   ©  2005