|

الحلقة
الأولى
قصة:
عبد الجبار ناصر
رسوم:
قاسم محمد
كان يا مكان كان في
قديم الزمان، وعلى سفح أحد الجبال
العالية تقع مدينة جميلة تمتاز بعذوبة
مياهها، وروعة مُناخها، وخضرة أراضيها.
لقد منح الله هذه المدينة كل الخيرات.
وكان حاكم المدينة رجلاً عادلاً
يتعامل مع رعاياها بشهامة ومروءة.
لكنَّ هناك شيئاً
واحداً كان يشغل أذهان الناس ويبعث
فيهم الاضطراب. فقد كان هناك وعلى قمة
الجبال الشاهقة، قصر عظيم يسكن فيه غول
كبير. اعتاد الغول في كل عام وفي يوم
معين أن يهبط إلى المدينة ويخطف عدداً
من الأهالي، ثم يعود إلى قمة الجبل،
مطلقاً قهقهات عالية ترتج لها
المدينة، وتنخلع منها قلوب الناس
فزعاً، فليس هناك من يستطيع الوقوف
بوجه هذا الغول.
في تلك المدينة
الجميلة كان يعيش فتى شجاع ذكي اسمه (عبد
الرحمن). كان يقطن مع والديه العجوزين
في كوخ صغير، وفي فجر كل يوم وقبل أن
تشرق الشمس، يذهب عبد الرحمن إلى غابة
قريبة تبعد عن المدينة مسافة
كيلومترين. هناك ينهمك في تكسير الحطب
وجمعه. وقبل غروب الشمس يحمل كومة
الحطب عائداً إلى المدينة ليبيعها في
السوق، ويبتاع بثمنها خبزاً ولحماً
لوالديه.
في يوم من الأيام
وعند منتصف النهار، أخرج (عبد الرحمن)
صرّة صغيرة ليتناول منها رغيفاً ليسد
رمقه. فجأة سمع صوت صهيل حصان وتكسُّر
بعض الأغصان. بعد لحظات كان صدى الصهيل
يبتعد.
ظن عبد الرحمن أن
تلك الضجة ربما كانت من صياد يطارد
فريسته. وهكذا لم يعر الموضوع أية
أهمية. وقبل أن يتناول لقمة الخبز سمع
عبد الرحمن صوتاً ضعيفاً فيه رقة
واستغاثة. قال لنفسه:
"لا بد أن هناك
شخصاً جريحاً يطلب المساعدة!".
ترك عبد الرحمن
مكانه وهرول نحو مصدر الصوت.
وسط الغابة وعلى
مقربة من عين ماء، عثر عبد الرحمن على
فتاة ملقاة على الأرض، وقد أصيب وجهها
بالكدمات.

كانت الفتاة ترتدي
ثياباً فاخرة، وتتزين بجواهر ثمينة.
حمل الفتاة إلى النبع ووضع رأسها على
ركبته. أخذ يغرف الماء بكفه ويغسل
وجهها. همهمت الفتاة بكلمات غير مفهومة.
فرح عبد الرحمن عندما أيقن أن الفتاة
مازالت على قيد الحياة. فتحت الفتاة
عينيها ونظرت إلى ما حولها بخوف، لكن
مخاوفها تبخرت عندما لمست اهتمام عبد
الرحمن بها ورعايته لها.
قالت الفتاة بصوت
واهن:
"هاج حصاني ففقدت
السيطرة عليه، وسقطت على الأرض، ولا بد
أنني قد أصبت بجروج ورضوض".
مرة أخرى أغلقت
الفتاة أجفانها، وعادت إلى غيبوبتها.
ولو كان شخص آخر ذو أخلاق غير حميدة
مكان عبد الرحمن لخطر في ذهنه أن يترك
الفتاة بجراحها النازفة، ويخطف
مجوهراتها، ويولي الأدبار. لكنّ عبد
الرحمن كان طاهر القلب، رقيق المشاعر
والأحاسيس.
حمل الفتاة على
ظهره، وعاد بها إلى المدينة.
في الطريق أخبرته
الفتاة أنها ابنة الحاكم، فذهب بها إلى
قصر أبيها.
أحضر الحاكم طبيباً
لمداواة ابنته، وتضميد جراحها.
ظلت الفتاة تغط في
نوم عميق.
شكر الحاكم عبد
الرحمن على حسن صنيعه وأمر بإعطائه
مالاً كثيراً، لكنّ عبد الرحمن رفض
هدية الحاكم قائلاً:
"مولاي الحاكم..
أنا لم أفعل شيئاً. لقد أديت واجباً
إنسانياً، فأنا أعتبر خدمة الناس هي
أفضل الأعمال الخيرة."
انطلق عبد الرحمن
عائداً إلى كوخه الصغير عند أطراف
المدينة الصغيرة. وبعد أيام وعند منتصف
الليل وبينما كان أهل المدينة يغطون في
النوم، هبط الغول من قصره العالي إلى
المدينة، وخطف عدداً من البنات
والأولاد، وصعد بهم إلى قصره. رددت
الجبال والوديان قهقهته الوحشية،
واهتزت أبواب المنازل التي لم يملك أحد
الجرأة على الخروج منها.
في صباح اليوم
التالي انتشر خبر اختطاف الفتيات
والأولاد في جميع أرجاء المدينة. لقد
أحزن الخبر عبد الرحمن، وعكر صفو حياته.
كان يذهب إلى الغابة كعادته في الصباح
الباكر إلى مغيب الشمس، لكنه وبدلاً من
جمع الحطب، كان يقضي الساعات الطوال
جالساً عند النبع، ينظر في مياهه
مستذكراً وجوه الأهالي الذين اختطفهم
الغول البغيض، خاصة تلك الفتاة
البريئة الطيبة.
ذات يوم، وبينما
كان عبد الرحمن جالساً في مكانه ذاك،
وقد أثقلته الهموم، طرق سمعه صوت
يناديه:
"عبد الرحمن.. عبد
الرحمن".
نظر حوله فلم يرَ
أحداً.
مرة أخرى ناداه
الصوت ودعاه إلى النظر في النبع جيداً.
حين دقق النظر رأى حورية جميلة تشبه
الفراشة. كان جسمها أزرق اللون. قالت
الحورية:
"عبد الرحمن.. أنا
ملكة المياه.. أنت فتى طيب، ولهذا
سأعلمك شيئاً لو طبقته لوصلت إلى الغول!"
غاصت الحورية في
أعماق النبع، ثم عادت بعد لحظة. كان عبد
الرحمن يراقبها متعجباً. ناولته
الحورية غصناً صغيراً وقالت له:
"خذ هذا الغصن
الصغير، وازرعه في حديقة كوخك واسقه
يومين متتاليين.. بعد ذلك يصير هذا
الغصن شجرة باسقة توصلك إلى قمة الجبل
الشاهقة. حين تراها وقد أصبحت كذلك،
إذهب عند أسفل الشجرة فستجد سيفاً
وطاقية، فعندما تلبس الطاقية لا يراك
أحد، وبالسيف تنتصر على كل من يقف في
طريقك."
يتبع
في العدد القادم بإذن الله
*
* *
|