|

كتابة: د.
شفيق مهدي
قريتي التي ولدت
فيها، كانت مشهورة بنخيلها، وبتمرها
الشهي الفاخر، لكن الأمر اختلف مع نخيل
قريتي، بعد أن احتلها الصهاينة،
وسأحكي لكم سر هذا الاختلاف العجيب
الغريب، الذي قد لا يصدق.
*
* *
أنا لم أشاهد
قريتي، برغم أنني قد ولدت فيها، فقد
أجبر الصهاينة سكانها، على الرحيل
منها، بالقوة، وببطش السلاح، وأنا في
السنة الأولى من عمري. لكن جدي وأبي
وأمي وأختي الكبرى، كانوا يحدثوني
عنها؛ عن كل شبر فيها، حتى حفظت في
خيالي، كل شيء موجود فيها، ومن ذلك
نخيلها، وأنواع تمورها الشهية الفاخرة.
الأخبار التي
وصلتنا عن قريتنا، فيما بعد، قالت: إن
النخيل لم يعد يحمل ويثمر! البعض قد
استغرب الأمر، وأنا منهم، لكن جدي، لم
يستغرب ذلك، وأوضح الأمر، وقال:
- لا تستغربوا شيئاً
مما سمعتموه؛ لقد اختلف الأمر مع نخلات
القرية بعد الاحتلال! النخلة شجرة
مباركة، تحس وتشعر، كما يحس ويشعر
الإنسان، وبين النخل والإنسان صفات
مشتركة كثيرة، ذكرها العلماء، منها أن
النخلة تحتاج إلى رعاية وحنان، كما
يحتاجهما الإنسان!
وراح جدي يذكر،
بحزن عميق ظهر على كل جسده النحيل، كيف
كان يدلل نخيله، ويناجيه، وكيف كان
يناغي الفسائل، كما يناغي الطفل
المدلل.
واستشهد لنا جدي
بالتاريخ، ليثبت صحة ما يقوله، وذكر
لنا قصة حقيقية معروفة، يذكرها
المؤرخون والشعراء؛ إنها قصة نخلتي
"حلوان"!
نخلتا حلوان،
نخلتان مشهورتان، كانتا متجاورتين،
قريبتين من بعضهما البعض، لدرجة أن
سعفهما كانت تتلامس.
وذات مرة، قام أحد
الحكام، الذي هزئ بما سمع من قصص
حولهما، بقطع إحدى النخلتين. وبعد مدة
قصيرة، توقفت النخلة الباقية عن
الإثمار، ثم ذبلت ويبست وماتت!
لم نستغرب إذن، أمر
توقف نخلات قريتي المحتلة عن حمل التمر
واليباس والذبول!
*
* *
|