تعلم كيف ترسم

مكتبة الأطفال

الأعداد السابقة

في القرن السابع الهجري، تعرضت دولة الإسلام لأوقات عصيبة وأيام مرعبة، فقد دمّرت جيوش المغول بقيادة المجرم "جنكيز خان" حواضر الإسلام الكبرى في المشرق الإسلامي، وسفكت دماء المسلمين، وأتت على معالم الحضارة والمدنية، ولم تستطع قوة إسلامية أن توقف هذا الزحف الكاسح، وانهارت –أمامه- الجيوش الإسلامية كأوراق الشجر في موسم الخريف.

وفي سنة (651هـ= 1253م) خرج السفاح "هولاكو" على رأس حملة جرارة، تضم مئة وعشرين ألف جندي من جنوده المدربين تدريباً عالياً على فنون القتال، ومزودين بأسلحة الحرب وأدوات الحصار، نحو الأراضي الفارسية، ولم تجد ما يعوق حركتها، حتى وصلت إلى بغداد، وضربت حصاراً عليها، فاستسلمت في (4 من صفر 656 هـ/10 شباط (فبراير) 1258م)، واستباح جنوده المدينة المنكوبة، وقتلوا خليفتها وأهلها الذين قدروا بنحو مليون قتيل، وأضرموا النار في أحيائها، وهدموا مساجدها وقصورها ومكتباتها.

وفي رمضان (657هـ= 1295م) خرج السفاح "هولاكو" من بلده أذربيجان، متجهاً إلى بلاد الشام، ومعه حلفاؤه من أمراء جورجيا وأرمينيا، فصمدت مدينة دمشق للحصار مدة طويلة، إلى أن نفدت المؤن وانتشرت الأوبئة، مما دفع حاكمها إلى الاستسلام.

واصل المجرم هولاكو زحفه في أرجاء بلاد الشام، فاستنجد ملكها (الناصر يوسف الأيوبي) بملك مصر للوقوف معاً ضد الزحف المغولي، وكان سلطان مصر غير جدير بمواجهة الخطر القادم، فأقدم نائبه "سيف الدين قطز" على خلعه، ولم يجد معارضة من أحد، فالخطر محدق بالبلاد، والسلطان قد ازدادت مفاسده وانفضّ الجميع من حوله.

وبدأ السلطان قطز يوطّد أركان دولته ويثبّت دعائم حكمه، فعين من يثق بهم في مناصب الدولة الكبيرة، وأخذ يستعد للجهاد وملاقاة المغول، وسمح برجوع بعض أمراء المماليك من خصومه وكانوا بالشام، وعلى رأسهم بيبرس البندقداري فرحب به، وأحسن معاملته، وطلب من قوات الملك الناصر يوسف الأيوبي الانضمام إليه فاستجاب لدعوته.

في هذه الأثناء وصلت رسل هولاكو إلى القاهرة تحمل خطاباً يقطر كبراً وغطرسة، وأمام هذا الخطر الداهم عقد السلطان قطز مجلساً من كبار الأمراء، وعرض عليهم الحرب، ولقي صعوبة كبيرة في إقناع كثير من الأمراء بالخروج معه لقتال التتار، فأخذ يستثير نخوتهم ويستنهض شجاعتهم بقوله: "يا أمراء المسلمين لكم زمان تأكلون أموال بيت المال، وأنتم للغزاة كارهون، وأنا متوجه، فمن اختار الجهاد يصحبني، ومن لم يختر ذلك يرجع إلى بيته فإن الله مطلع عليه..." فأثرت الكلمة في نفوسهم، وقوّت من روحهم، فخرجوا معه وتعاهدوا على القتال إلى جانبه.

وفي (رمضان 658هـ= آب (أغسطس) 1260م) خرج قطز من مصر على رأس الجيوش المصرية ومن انضم إليه من الجنود الشاميين وغيرهم، وأمر الأمير بيبرس أن يتقدم ليكشف أخبار المغول، وتقدم السلطان قطز بجيوشه إلى غزة، وأقام بها يوماً واحداً، ثم رحل إلى عكا، ولحق بالأمير بيبرس عند عين جالوت بين مدينة بيسان ومدينة نابلس.

اقتضت خطة السلطان قطز أن يخفي قواته الرئيسية في التلال والأحراش القريبة من عين جالوت، وألا يظهر للعدو سوى المقدمة ويقودها الأمير بيبرس، وما كاد يشرق صباح يوم الجمعة (25 من رمضان 658هـ= 3 (أيلول) سبتمبر 1260م) حتى اشتبك الفريقان، وانقضّت قوات المغول كالموج الهائل على طلائع الجيوش المصرية، وأحسّ السلطان قظز بتقهقر جيوشه، فظل ثابتاً كالجبال، وصرخ بأعلى صوته: "واإسلاماه!"، فعمّت صرخته أرجاء المكان، وتوافدت حوله قواته، وانقضوا على الجيش المغولي الذي فوجئ بهذا الثبات والصبر في القتال، وهو الذي اعتاد على النصر الخاطف، فانهارت عزائمه وارتدّ مذعوراً وفرّ هارباً إلى التلال المجاورة بعد أن رأوا قائدهم كيتوبوقا يسقط صريعًا في أرض المعركة.

ولم يكتفِ المسلمون بهذا النصر المؤزر، بل تتبعوا الفلول الهاربة التي تجمعت في بيسان القريبة من عين جالوت، واشتبكوا معها في لقاء حاسم، واشتدت وطأة القتال، وتأرجح النصر، وعاد السلطان قطز يصيح صيحة عظيمة سمعها معظم جيشه يقول: "واإسلاماه!" ثلاث مرات ويضرع إلى الله قائلا: "... يا الله!! انصر عبدك قطز".. وما هي إلا ساعة حتى مالت كفة النصر إلى المسلمين، وانتهى الأمر بهزيمة مدوية للمغول لأول مرة منذ جنكيز خان.

دخل السلطان سيف الدين قطز مدينة دمشق على رأس جيوشه الظافرة في (27 من رمضان 658 هـ)، وبدأ في إعادة الأمن إلى نصابه في جميع المدن الشامية، وترتيب أحوالها، وتعيين الولاة عليها، وتم توحيد مصر وبلاد الشام تحت حكم سلطان المماليك على مدى ما يزيد عن نحو مئتين وسبعين سنة، وكانت هذه المعركة معركة تاريخية، ومن أكثر المعارك حسماً في التاريخ الإسلامي العريق.

*     *     *

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح   ©  2006