تعلم كيف ترسم

مكتبة الأطفال

الأعداد السابقة

مجابهة الرسول (صلى الله عليه وسلم) للإغراء

(الحلقة الثانية)

أبنائي الأعزاء

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تحدثنا في الحلقة السابقة عن مجابهة الرسول (صلى الله عليه وسلم) لإغراء السلطة، وسنخصص هذه الحلقة لقدرته على مجابهة إغراء الأمان.

عندما أدرك الرسول (صلى الله عليه وسلم) بعد سنتين من الجهر بالدعوة في مكة، ألاّ قدرة له على حماية أتباعه من البلاء الذي ينزل بهم ليل نهار، وأن الزعامة الوثنية ماضية في عنفها واضطهادها وتعذيبها لهم، مصممة على استخدام أي أسلوب لوقف الدعوة عند حدّها وخنقها وهي بعد في المهد .. رأى أن يمنح المعذبين المضطهدين فترة من الوقت يستردون فيها أنفاسهم، ويستعيدون قواهم النفسية والجسدية، ويعودون ثانية إلى ساحة الصراع وهم أقدر وأصلب، وعسى الله أن يحدث –خلال ذلك- أمراً كان مفعولاً. فأشار عليهم بالهجرة إلى الحبشة. فاستجاب له المسلمون، وتسلل عدد منهم من مكة صوب الساحل، كي تقلّهم سفينتان كانتا متجهتين صوب الجنوب، وخرج نفر من قريش في آثارهم وعندما بلغوا الساحل كانت السفن قد بعدت عنه.

لقد كان همّ الرسول (صلى الله عليه وسلم) أن يطمئن على سلامة أصحابه، أما هو فقد آثر أن يبقى في قلب المخاطر والاستفزازات لمواصلة طريق الدعوة دون أن يفكر لحظة بالبحث عن الأمان واللجوء إلى الحبشة فراراً بنفسه من الأذى والملاحقة والخوف.

وفي الهجرة إلى المدينة تكرّر الموقف نفسه بصيغة أشد خطورة حيث ارتأى (صلى الله عليه وسلم) أن يهاجر صحابته الكرام متخفّين قدر الإمكان وأن يظل هو في مكة يحمي ظهورهم ويطمئن على وصولهم سالمين. ولم يبق معه في مكة سوى رفيقه أبي بكر الصديق وابن عمه علي بن أبي طالب (رضي الله عنهما) .. رغم أن قريش قررت هذه المرة تصفية الرسول (صلى الله عليه وسلم) جسدياً، بعد أن انكشف أمر الهجرة وأدرك زعماء قريش خطورة الموقف فعقدوا اجتماعاً تبادلوا فيه الرأي بخصوص مصير الرسول (صلى الله عليه وسلم) ما بين اعتقاله أو نفيه أو قتله .. فاستقر الرأي على الحل الأخير ..

وكلكم تعرفون كيف أنهم أحاطوا ببيت الرسول (صلى الله عليه وسلم) وفرضوا عليه حراسة مشددة بانتظار اللحظة المناسبة لقتله وتفريق دمه بين القبائل .. لكن الله سبحانه أنجاه منهم حيث تمكن (صلى الله عليه وسلم) ورفيقه الصديق (رضي الله عنه) في ضوء خطة محكمة وإدراك عميق لمبدأ الأخذ بالأسباب، من اللحاق بالمسلمين في المدينة وبدء مرحلة جديدة في مسيرة الدعوة المجاهدة.

قارنوا هذه المواقف –أبنائي الأعزاء- بمواقف العديد من قادة المذاهب والحركات الفكرية أو السياسية في العصر الحديث، حيث لا يسمح المجال بالوقوف عندها ولذا سنكتفي بشاهد واحد فحسب.

لنين زعيم الثورة الشيوعية ومؤسس الاتحاد السوفياتي عام 1917م حيث كان قبيل انتصار أصحابه على القيصرية في روسيا مختبأً في إنكلترا يصدر أوامره إليهم من هناك وهم يقتّلون ويعتقلون ويعذبون وينفون من الأرض .. وأرسل إليه ساعده الأيمن ستالين رسالة مستعجلة من روسيا يعاتبه على بقائه بعيداً عن ساحة المعركة، لكن لنين لم يستجب لرفيقه، وتحول إلى مكان آمن آخر في فنلندا ولم يجرؤ على العودة إلى موسكو إلا بعد أن أطاح حزبه بالنظام هناك وتأكد لديه إمساكهم بزمام الأمور ..

ذلك هو زعيمهم وهذا هو نبيّنا .. وشتان ..

استودعكم الله أبنائي الأعزاء على أمل أن نلتقي في حلقة قادمة إن شاء الله .. 

*     *     *

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح   ©  2006